فلسطين بين اضطراب النظام الدولي وفلسفة التحولات التاريخية

نعيش اليوم لحظة دولية غير مسبوقة في سرعتها وارتباكها، إلى درجة باتت الأدوات التقليدية للتحليل السياسي عاجزة عن مواكبة ما يجري. فعلى الرغم من كل التحولات التي مرت على منطقتنا والعالم، من انطلاقة ثورتنا المعاصرة، تمدد الاحتلال الاستيطاني، الحروب الإقليمية، وانهيار الاتحاد السوفيتي، وتداعيات ما سُمي بالربيع العربي، مروراً ببؤر التوتر التي تنشأها الولايات المتحدة حول العالم وعدوان الابادة على غزة، وبالحروب الاقتصادية وتحديات المتغيرات المناخية وصعود التكنولوجيا، إلا أنّ المشهد الراهن أشد تعقيدا وتشابكا مما عرفناه سابقاً.

لم يعد العالم محكوماً بمعادلات توازن واضحة أو تحالفات ثابتة كما كان في عقود سابقة من نظم اقتصادية، قوى استعمار وحركات تحرر وطني كلاسيكية. نحن اليوم أمام "نظام دولي بلا نظام" تتغير فيه التحالفات بسرعة خاطفة، كما التكتلات السياسية والاقتصادية الناشئة وصراع شمال العالم مع جنوبه، بحيث تتحرك فيه القوى الكبرى وسط تناقضات داخلية وضغوط اقتصادية وسياسية متصاعدة. الولايات المتحدة تتصرف بردود فعل أكثر من تقديم رؤية استراتيجية، أوروبا تواجه شبح الحرب وأزمات الطاقة، روسيا تعيد ترتيب قواعد الاشتباك، والصين تصعد بثبات دون صدام مباشر.

وفي المقابل، يعيش الإقليم العربي حالة من التحولات السريعة وغير المستقرة وبيئة سياسية متقلبة لا تعتمد على استراتيجية عربية واحدة، بينما تتكشف في الوقت ذاته هشاشة البنية الداخلية لدولة الاحتلال التي تعيش أعمق أزماتها البنيوية وانتقال نتنياهو من ساحة لأخرى بالحرب المستمرة.

وفي ظل هذه المتغيرات المتسارعة، تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة إعادة تشكل جديدة، تُعاد فيها صياغة مفاهيم الأمن القومي وتعريف مكانة القوى الإقليمية. فالدول التقليدية لم تعد قادرة على احتكار القرار أو فرض إيقاعها كما في السابق، بينما بدأت قوى أصغر أو حتى غير رسمية، بفرض وزن نوعي يفوق حجمها الجغرافي والسياسي. هذا التغير خلق فراغا في مراكز الثقل، تحاول إسرائيل ملأه عبر مزيد من العدوان والتوسع نحو تنفيذ مخططات الرؤية الصهيونية، بينما تسعى انظمة دول عربية وإقليمية إلى تثبيت مواقعها في مشهد متحرك ومتقلب. وفي المقابل، تظهر مبادرات شعبية وأخلاقية عالمية، من الجامعات إلى النقابات والحركات المدنية والحقوقية والأحزاب التقدمية التي باتت تؤثر عملياً في السياسات الدولية حتى في داخل بريطانيا والولايات المتحدة نفسها، ما يؤكد أن الفعل الشعبي لم يعد مجرد حالة تضامن رمزية، بل جزء من معادلة القوة الجديدة في النظام الدولي الآخذ بالتشكل.

يزيد المشهد تعقيداً دخول مصالح أطراف جديدة لا تُعد دولاً فقط بالمعنى الكلاسيكي، شركات التكنولوجيا العملاقة، مجمعات الصناعات العسكرية، الشركات متعددة الجنسيات، الجيوش الإلكترونية، منتديات ومجموعات الضغط العابرة للحدود. هذه القوى الجديدة باتت تصنع سياسات وتؤثر في قرارات تفوق أحياناً قدرة حكومات كاملة، خاصة مع ظهور وتطور الذكاء الاصطناعي ودخول عوامل جديدة للحروب كالطاقة والغاز والمياه والممرات التجارية والمائية وقوة العملات واستقرارها.

وفي سياق هذا الاضطراب أيضاً، جاء القرار الأميركي الأخير للرئيس ترامب بشأن جماعة الإخوان المسلمين ليعكس طبيعة التحولات السريعة في أدوات النفوذ التي تستخدمها واشنطن في المنطقة. فبعد عقود من توظيف الجماعة بشكل مباشر أو غير مباشر في لحظات التحول أو إدارة الصراعات الداخلية في عدد من الدول العربية وتحديدا فيما تعلق بدورهم بما سُمي بالربيع العربي وقبل ذلك بما تعلق بمواجهة المد القومي واليساري والحركة الوطنية بالمنطقة عموما منذ زمن عبد الناصر، يبدو أن الولايات المتحدة تعيد الآن ترتيب أولوياتها وأدواتها على نحو ينسجم مع البيئة العالمية الجديدة غير المستقرة. فالقرار لا يتصل بالجماعة بحد ذاتها بقدر ما يعكس انتقال واشنطن من مرحلة استخدام أدوات سياسية وشعبية في المنطقة إلى مرحلة تفضيل ترتيبات أكثر صلابة تقوم على تحالفات أمنية مباشرة وعلى دور إسرائيلي متصاعد في إدارة التوازنات. وهذا يؤكد أن الولايات المتحدة تتخلى عن أدواتها حالما تستنفد وظيفتها أو تتعارض مع مصالحها في المشهد الدولي المتسارع أو تعيد لها دورا جديدا بمسميات مختلفة، وفق ما يتم الحديث عنه بالأعلام من أتفاق سري بين الولايات المتحدة وحماس بشأن إبقاء دورها في غزة.

نحن إذن أمام انهيار في إيقاع العالم القديم وصعود لإيقاع جديد لم تتحدد ملامحه بالكامل بعد. الأحداث تتوالد من بعضها وتتداخل بطريقة تجعل قراءة المستقبل أصعب من أي وقت مضى. المطلوب اليوم ليس استعادة أدوات التحليل السابقة، بل تطوير مقاربات مرنة تعتمد على فهم الشبكات ومحركات القوة الجديدة، وعلى قراءة المتغيرات الصغيرة التي تسبق التحولات الكبرى.

هذا الاضطراب الدولي انعكس مباشرة على قضيتنا التحررية الفلسطينية. فما يجري في غزة من محرقة مستمرة ومن تقسيم ووصاية، وما تتعرض له الضفة الغربية من توسع كولنيالي وإرهاب المستوطنين، لا يمكن النظر إليهما كملف محلي معزول. فالتقلبات الأميركية، والامتناع الروسي والصيني عن استخدام الفيتو في شأن قرار مجلس الأمن الأخير حول غزة، والتحولات في مواقف الدول الصاعدة، كلها تشير إلى أنّ فلسطين أصبحت ساحة لاختبار شكل النظام العالمي المقبل. كما أن صمود غزة أمام الإبادة الجماعية، حَول الشعوب حول العالم إلى قوة ضغط أخلاقية وسياسية أربكت حكومات كبرى ومنها التي تحتفظ اليوم على المشاركة في قوة الإنفاذ التابعة لمجلس ترامب "للسلام"، وهو عامل لم يكن حاضراً في الصراعات السابقة بهذا الحجم الذي يجب استثماره والبناء عليه فلسطينيا

وهنا تبرز أهمية المنهج الجدلي التاريخي في فكر هيجل وماركس لفهم ما يجري، فالتحولات الكبرى لا تحدث بخط مستقيم، بل حين تصل الأنظمة إلى حدود أزماتها الداخلية. التناقضات المتراكمة في النظام العالمي، وتآكل الهيمنة الغربية التقليدية وعودة الصراعات الكبرى، كلها تؤكد أننا في لحظة انتقالية بين نظام عالمي يتهاوى وآخر يتشكل دون ان ينتهي العالم، كما تتشكل حالة المادة عند انتقالها من شكل لآخر دون ان تفنى بفعل المؤثرات عليها وفق اسس المادية الجدلية. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الوعي بموقعنا داخل التحول شرطاً أساسياً لصياغة استراتيجية قادرة على تحويل الأزمة إلى فرصة.

وفي مثل هذه اللحظات الانتقالية تصبح القدرة على الفهم وإعادة إنتاج أدوات التحليل شرطاً للبقاء، بينما يؤدي الانجرار العفوي خلف الحدث إلى الخسارة. فليست قوة التاريخ في ضجيجه، بل في وعي الفاعلين لموقعهم داخل الصراع وكيفية تحويل الأزمة إلى لحظة تأسيس جديدة، وهنا تحديداً تكمن فرصتنا في فلسطين اليوم.

إن ما تعيشه المنطقة اليوم لا يقل أهمية عن التحولات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. التحدي أمامنا كفلسطينيين ليس التنبؤ بما سيأتي، بل استباقه عبر بناء رؤية وطنية جديدة وجريئة تعتمد الصمود وتحافظ على سرديتنا التاريخية وحقوقنا الغير قابلة للتصرف، تستثمر التشققات في بنية النظام الدولي وتحولاته الجارية، وتعيد توحيد أدوات الفعل الوطني التحرري الفلسطيني.

وهذا يتطلب الانتقال من ردود الفعل إلى إستراتيجية وطنية واضحة تقوم على:

١. إعادة بناء وإصلاح نظامنا السياسي على أسس ديمقراطية مدنية حديثة بقرار وطني مستقل.

٢. إقرار قانون الأحزاب وتجديد الشرعيات في كل المؤسسات الوطنية التمثيلية عبر الانتخابات المستحقة، وصيانة العقد الاجتماعي والسياسي وفق وثيقة إعلان الاستقلال والنظام الأساسي ومبدأ فصل السلطات والعهد الدولي لحقوق الانسان.

٣. تفعيل واستنهاض منظمة التحرير وأطرها كجبهة وطنية عريضة بما يشمل القوى الوطنية كافة والمجتمع المدني والمستقلين الوطنيين وفق البرنامج الوطني الفلسطيني للتحرر من الاحتلال الاستعماري وإقامة الدولة ذات السيادة والديمقراطية على حدود ما قبل الرابع من حزيران ٦٧ وعاصمتها القدس وضمان حل قضية اللاجئين وفق القرار الأممي ١٩٤.

٤. إعادة بناء حركة "فتح" عبر عقد مؤتمرها العام الثامن وانتخاباتها الداخلية لتجديد أطرها، لاستعادة دورها القيادي الصلب كحركة تحرر وطني.

إن العالم يعيد إنتاج نفسه وسط فوضى هائلة قد تأخذنا الى حروب أوسع، ومن يملك القدرة على فهم لحظة التحول هو القادر على صياغة مستقبله. وفي هذه اللحظة بالذات، تملك فلسطين فرصة نادرة، إن أحسنت التقاطها، لتحويل موقعها من ساحة اختبار إلى فاعل مؤثر في معادلات النظام المتخبط نحو التشكُل الجديد، لكن على أسس الشرعية الدولية بدأ من القرار الأممي ١٨١ والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن إنهاء الاحتلال والقانون الدولي ومبدأ حق تقرير المصير، لا على أسس موازين القوى القائمة المفروضة اليوم والتي لا تمتلك عامل الثبات.

 

 

 

Loading...