
في خضم الضجيج الإعلامي الذي يحيط بفنزويلا وشخصية الرئيس نيكولاس مادورو، يجري التركيز غالبا على التفاصيل السطحية: خطاباته، ملابسه، أو حتى روايات "نهاية وشيكة" لنظامه. لكن ما يحدث في العمق أبعد بكثير من شخص مادورو أو حتى من فنزويلا ذاتها. نحن أمام لحظة مفصلية تكشف تحولا استراتيجيا واسعا في السياسة الدولية، عنوانه الحقيقي ليس "الحرب على المخدرات" ولا "الدفاع عن الديمقراطية"، بل الصراع على النفوذ العالمي، وتحديدا مع الصين.
لو افترضنا ( جدلاً ) سيناريو تدخل أمريكي خاطف ينتهي بإزاحة مادورو خلال ساعات، فإن السؤال الجوهري لا يكون: لماذا الآن؟ بل: لماذا فنزويلا تحديداً؟ الإجابة تكمن في أن ما تشهده أمريكا اللاتينية اليوم هو إعادة رسم هادئة لخريطة النفوذ، استطاعت الصين خلالها أن تحقق ما عجزت عنه القوى الاستعمارية التقليدية: التغلغل العميق من دون احتلال، والسيطرة من دون جيوش.
على مدار العقدين الماضيين، كانت الولايات المتحدة منشغلة بحروب استنزفت مواردها وسمعتها في العراق وأفغانستان، ثم بانخراط طويل ومكلف في أوكرانيا. وخلال هذا الانشغال، تحركت الصين بهدوء في ما كان يعتبر تاريخيا "الفناء الخلفي" لواشنطن. لم تدخل الدبابات الصينية إلى أمريكا اللاتينية، بل دخلت الاستثمارات، القروض، الموانئ، وشبكات الكهرباء. والنتيجة أن النفوذ تغير، بينما بقيت الخطابات الأمريكية أسيرة قاموس قديم.
الأرقام هنا ليست تفصيلاً ثانوياً، بل دليل اتهام سياسي. ففي عام 2000، لم يتجاوز حجم التجارة بين الصين وأمريكا اللاتينية 12 مليار دولار. أما في عام 2024، فقد بلغ 518 مليار دولار، أي بزيادة تقارب أربعين ضعفاً خلال أقل من ربع قرن. اليوم، باتت الصين الشريك التجاري الأول لأكبر اقتصادات أمريكا الجنوبية: البرازيل، الأرجنتين، تشيلي، بيرو وأوروغواي. وبذلك، لم تعد الولايات المتحدة اللاعب الاقتصادي المرجعي في القارة التي طالما اعتبرتها مجالها الحيوي.
غير أن التجارة وحدها لا تفسر عمق التحول. فالقصة الحقيقية تتجلى في البنية التحتية. افتتاح ميناء “تشانكاي” في بيرو نهاية عام 2024 يشكل مثالاً صارخاً على هذا التحول. نحن لا نتحدث عن ميناء عادي، بل عن ميناء عملاق للمياه العميقة، بكلفة 3.5 مليارات دولار، تملكه بالأغلبية شركة صينية مملوكة للدولة. هذا الميناء يخلق ممراً بحرياً مباشراً بين شنغهاي وأمريكا الجنوبية، متجاوزاً موانئ أمريكا الشمالية، ومقلصاً زمن الشحن بنحو الثلث وكلفته بنسبة كبيرة. إنه اختصار جغرافي واقتصادي في آن واحد، يحمل دلالة سياسية لا تخطئها العين.
الأخطر من ذلك هو الحديث المتزايد عن مشروع سكة حديد عابرة للقارة، تربط المحيط الهادئ بالأطلسي عبر البرازيل وبيرو. مثل هذا المشروع، إن تحقق، سيخلق بديلا فعليا لقناة بنما، ولكن تحت تأثير صيني مباشر. عندها، لن يكون النفوذ الصيني محصورا في التجارة، بل في التحكم بشرايين الحركة العالمية نفسها.
ولا يقف الأمر عند الموانئ والسكك الحديدية. فالصين استثمرت مليارات الدولارات في قطاع الطاقة البرازيلي، وسيطرت عبر شركاتها الحكومية على أجزاء حساسة من شبكات الكهرباء التي تغذي أكبر المدن. عندما تصبح الكهرباء ( أي عصب الاقتصاد والحياة اليومية ) مرتبطة ببنية تحتية صينية، فإن الحديث لم يعد عن شراكة اقتصادية عابرة، بل عن نفوذ استراتيجي طويل الأمد.
ثم نصل إلى الليثيوم، المعدن الذي يشكل قلب التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية. تمتلك دول “مثلث الليثيوم” في أمريكا الجنوبية نحو 60 في المئة من الاحتياطيات العالمية. ومن دون هذه الموارد، لا يمكن لأي حديث عن "انتقال أخضر" أمريكي أو صناعة سيارات كهربائية مستقلة أن يكون واقعياً. الصين فهمت ذلك مبكراً، فدخلت بقوة في شراكات واتفاقيات مع بوليفيا وتشيلي والأرجنتين، واضعة يدها على أحد أهم مفاتيح اقتصاد المستقبل.
من هذا المنظور، يمكن قراءة أي تحرك أمريكي محتمل في فنزويلا على أنه رسالة استراتيجية أكثر منه عملية محدودة. الرسالة تقول إن واشنطن بدأت تدرك أن خسارتها لأمريكا اللاتينية ليس أمرا يمكن تجاهله، وأن الصراع مع الصين لم يعد يدور فقط في بحر الصين الجنوبي أو حول تايوان، بل بات حاضراً في كراكاس، وليما، وبرازيليا.
قد يظن البعض أن هذه السياسات مجرد استعراض قوة أو محاولة داخلية لكسب التأييد الشعبي، لكن الوقائع تشير إلى ما هو أعمق. نحن أمام تحول في العقيدة الأمريكية نفسها، انتقال من ردود الفعل المتأخرة إلى محاولة استعادة نفوذ تآكل بصمت. غير أن السؤال المفتوح يبقى: هل تستطيع الولايات المتحدة استعادة ما خسرته بالقوة السياسية أو العسكرية، بعد أن رسخت الصين حضورها عبر الاقتصاد والبنية التحتية؟
الإجابة ليست سهلة، لكنها تحمل تحذيراً واضحاً: العالم يدخل مرحلة جديدة، تخاض فيها المعارك الكبرى من دون إطلاق رصاصة واحدة أحيانا، لكن نتائجها قد تكون أعمق وأطول أثراً من أي حرب تقليدية. وفي هذه المرحلة، لم تعد أمريكا اللاتينية ساحة هامشية، بل إحدى الجبهات المركزية في الصراع على النظام الدولي القادم.