
خرج الممر التجاري بين الهند وأوروبا ويعرف اختصارا ب (IMEC) رسميا إلى العلن بمذكرة تفاهم خاصة بمجموعة العشرين (20G) في سبتمبر2023، كمشروع تجاري ضخم يربط بين الهند ودول الخليج من جهة، والخليج و"إسرائيل" ومنها إلى أوروبا من جهة أخرى، وكان لهذا المشروع أهداف غير معلنة على رأسها الوقوف في وجه النفوذ الصيني المتصاعد وقطع الطريق أمام "طريق الحرير" ليكون الممر التجاري هذا بديلا عنه، ويهدف المشروع إلى إنشاء مشاريع لاستثمار ثروات تقدر بترليونات الدولارات من بحر غزة وبرها وعلى رأسها حقول الغاز الطبيعي عال الجودة، وشق قناة "بن غوريون" لتربط البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، لتصبح بديلا إسرائيليا عن قناة السويس، لكن واجه هذا المشروع ذو الواجهة التجارية التي يختبئ تحتها مشروع إمبريالي استعماري أكثر وحشية من أي استعمار عرفته البشرية، عقبة وهي الوجود الفلسطيني المكثف في القطاع، فشكلت غزة عقدة في وجه هذه الأطماع الاستعمارية، وجاء هجوم السابع من أكتوبر حلا لها، تلقفته القوى الاستعمارية الكبرى الذين لديهم خبرات طويلة وعملية في إبادة الشعوب وتزييف هوية الأوطان واستغلته للقضاء على الفلسطينيين الذين كان وجودهم على أرضهم يعني استحالة تنفيذ المشروع.
منذ صبيحة السابع من أكتوبر 2023 انتهت غزة التي في ذاكرتنا وخاطرنا وبكل الأسى لن تعود أبدا كما كانت، وكل ما يجري الحديث عنه الآن عن المرحلة الثانية من اتفاق غزة والبدء بإعادة الإعمار لهو فرض وصاية أمريكية تحت مسمى "مجلس السلام"، وعملية استبدال غزة بغزة جديدة حسب رؤية استعمارية صهيونية كنموذج سيبدأ من غزة ولن ينتهي بها. الجميع مستعد لدفع مليار دولار مقابل مقعد في "مجلس السلام" وهو ليس بكثير مقابل حصة متواضعة " سيكون لإسرائيل وأمريكا نصيب الأسد" في دجاجة غزة التي تبيض ذهبا، على حساب الشعب الفلسطيني، الذي لن يخرج من هذه الإبادة إلا بالحسرة والصدمة ومزيد من الخيبة والخسارة.
إن ما يجري تسويقه كعملية إعادة إعمار ليس إلا إعادة هندسة ديمغرافية وجغرافية جديدة للقطاع لتحويله إلى "ريفيرا الشرق الأوسط" كجزء هام من الممر التجاري، قائمة على الاستيلاء على معظم مساحة القطاع، تهجير معظم الناجين من الإبادة الجماعية، مع إبقاء حيز صغير مجزأ مدروس بعناية سيبقى للفلسطينيين لن يصل لثلث مساحة القطاع في أفضل الأحوال، عبر بناء مشاريع صناعية وتجارية وسياحية تديرها شركات إسرائيلية وأمريكية وفرنسية وبريطانية. مع عودة الاستيطان متخف في البداية تحت قناع رجال أعمال، مهندسون، عمال مهرة، خبراء في مختلف المجالات، ومن بعد أشهر ليست كثيرة سنرى أول المستوطنات بنفس مسمياتها التي كانت موجودة في قطاع غزة قبل العام 2005.
سوف يفتح معبر رفح تحت سيطرة إسرائيلية كاملة بعد أن كان المعبر الفلسطيني الوحيد المتحرر من سيطرة الاحتلال، باتجاه الخروج من قطاع غزة تحت مسمى" الهجرة الطوعية"، ومن يخرج لن يسمح له بالعودة. أما القلة القليلة من الفلسطينيين الذين سيبقون في غزة سوف يخضعون لعملية إعادة هندسة اجتماعية مدروسة، يتم تسكينهم وتوزيعهم جغرافيا في أماكن محددة محاطة بمراقبة إلكترونية كاملة ولن يسمح لهم بالدخول أو الخروج إلا بعد فحص إلكتروني تحدد شروطه من قبل شركات أمنية بإدارة إسرائيلية وأمريكية، وسيتم استخدامهم كأيد عاملة رخيصة في المشاريع التي ستنشأ في "الريفيرا الجديدة"، ولن يكتف الاحتلال بذلك فقط بل سيمتد التحكم بكل مفاصل حياتهم، حتى المناهج التي ستفرض عليهم ستهدف لبناء جيل جديد "محب للسلام " مستوحاة من النموذج الإماراتي لنشر ثقافة السلام والعيش المشترك.
ستصبح غزة خلال سنوات قليلة كيانا غريبا أقيم على أسس استعمارية تجارية خالصة ليس لها علاقة بهويتها ولا تاريخها، بعد أن محت سنتان من الإبادة آلاف السنوات من الحضارة والعمران والتنمية والوجود الفلسطيني الذي لم ينقطع يوما واحدا عن هذه الأرض، حتى أسماء المدن والقرى سوف تمحى وتحل محلها أسماء استعمارية هجينة تؤسس للواقع الجديد الذي بني على أنقاض غزة المختلط بأشلاء عشرات الآلاف من الأبرياء.
ما وصلنا له الآن وستتضح معالمه خلال السنوات القليلة القادمة كان يمكن تجنبه أو تخفيف حدته إلى حد كبير لو أن أصحاب القرار في الهجوم وإدارة ما بعده لم يشيحوا وجوههم عن الواقع، لكنهم فضلوا استخدام خطاب يرتكز على تفسيرات غيبية دينية تعتمد على دغدغة عواطف الجماهير وتخدير عقولهم مع تغييب متعمد لصوت الحكمة ترافقه عملية تزييف ممنهجة لتسويق ما يجري على أنه "معركة نصر حاسمة" لا مفر من خوضها. هذا ليس مفاجئا ولا صادما لمن كان يرى بالعين المجردة، لكن قطاعات واسعة من الناس فضلت الاستماع لهذا الخطاب والعيش في نعيم الأوهام.
لقد كان ألم مواجهة الحقيقة منذ الأيام أو الأشهر الأولى على الأقل لما بعد هجوم السابع من أكتوبر أقل بما لا يقاس من مواجهة ألم الواقع الجديد الذي لا يرسم فقط ملامح تصفوية للقضية الفلسطينية بل يرسم شرقا أوسط جديد وإسرائيل كبرى جديدة على أنقاض الدول العربية التي تتفتت من سوريا إلى لبنان إلى العراق إلى السودان وليبيا والصومال وغيرها من الدول التي لن تسلم من هذا الاستعمار الإحلالي التوسعي الذي لن تتوقف أطماعه عند حد معين.