
لم تعد غزة تعيش حربًا عابرة تُضاف إلى سجل المواجهات السابقة، بل تقف اليوم أمام تحوّل خطير في طبيعة الصراع نفسه. فالدمار الذي يبتلع الأحياء، والقتل الذي لا يتوقف، لا يعكسان فقط شراسة العدوان، بل يكشفان عن انتقال المعركة من منطق الردع المؤقت إلى فرض واقع سياسي وأمني جديد يُعاد فيه تشكيل القطاع من جذوره. وفي هذا السياق، السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بمرارة: هل لا يزال السلاح يحمي غزة، أم أصبح جزءًا من الآلية التي تُنتج مأساتها المستمرة؟
خلال السنوات الماضية، اتسم التعامل مع غزة، عبر جولات تصعيد تنتهي بتهدئات مؤقتة دون المساس بالبنية الحاكمة أو العسكرية لحركة حماس. غير أن التطورات الأخيرة وما رافقها من طرح حلول، تشير بوضوح إلى انتقال من نموذج الاحتواء إلى نموذج فرض النتائج، أي التعامل مع القطاع باعتباره مشكلة أمنية تستوجب إعادة تشكيل جذري. وهو تحول، يكشف فشل المقاربة السابقة في تحقيق استقرار مستدام، ويكشف عن قناعة متزايدة بأن استمرار وجود سلطة مسلحة مستقلة يُنتج تهديدًا دائمًا لا يمكن احتواؤه بمنطق الردع وحده.
في التحليل السياسي المقارن، يُستخدم نزع السلاح غالبًا كمدخل لإعادة بناء الأنظمة الخارجة من الصراعات، سواء في حالات الحروب الأهلية أو النزاعات غير المتكافئة. إلا أن خصوصية الحالة الغزية تكمن في أن عملية التفكيك لا تُطرح ضمن مسار مصالحة وطنية أو انتقال سياسي داخلي، بل في إطار فرض خارجي مشروط بالتهدئة، والإعمار، وإدارة الحياة اليومية للسكان. وهذا التحول يعني أن السلاح لم يعد يُنظر إليه كأداة مقاومة، بل كعقبة بنيوية أمام إعادة إنتاج نظام إداري وأمني قابل للضبط والسيطرة. وبذلك يتحول من عنصر قوة تفاوضية إلى مبرر لاستمرار الضغط العسكري والاقتصادي والسياسي.
ومن أخطر مخرجات هذا المسار الانتقال التدريجي من مفهوم السلطة الحاكمة إلى نموذج الإدارة الوظيفية، حيث تُدار الشؤون الخدمية والمعيشية دون امتلاك أي سيادة أمنية أو سياسية فعلية. ويُعرف هذا النمط في أدبيات السيطرة غير المباشرة بوصفه تفريغ الكيانات المحلية من أدوات القوة مع الإبقاء عليها كواجهات إدارية لتقليل الكلفة الإنسانية والسياسية للهيمنة الخارجية.
في هذا الإطار، يصبح السلاح وعلى نحو مغاير، هو العامل الذي يُسرّع فقدان أي شكل من أشكال الاستقلال السياسي بدل أن يحميه. وتتجسد الإشكالية الجوهرية في إصرار حركة حماس على البقاء في الحكم والسيطرة. وهو ما سيؤدي إلى تحميل المجتمع الغزي كلفة تفوق قدرته على الاحتمال، وتحويل القطاع إلى ساحة استنزاف دائم، لا إلى قاعدة صمود سياسي مستدام. وفي هذه النقطة تحديدًا يتحول السلاح من أداة مواجهة إلى أداة لإنتاج الأزمة بشكل مستمر.
وعلى نحو أعمق، فإن إصرار حركة حماس على الاستمرار بوصفها فاعلًا مسلحًا مهيمنًا لا يؤدي إلى تقليص السيطرة الإسرائيلية، بل يوفر لها مبررًا أمنيًا دائمًا لإدامة سياساتها القائمة من حصار وتدخل عسكري وإعادة هندسة الواقع الأمني للقطاع. ويُعاد توظيف هذا الوجود في الخطاب الإسرائيلي والدولي بوصفه تهديدًا مستمرًا، بما يُشرعن استمرار الهيمنة غير المباشرة بدل تقويضها.
وإذا استمر هذا المسار دون تحوّل استراتيجي، يمكن توقع جملة من النتائج المتراكمة، من بينها: ترسيخ نزع السلاح عبر القيام باحتلال كامل لقطاع غزة وفقاً للخطط الإسرائيلية. وهو ما يعني أن التمسك بالسلاح في السياق الراهن لم يعد يؤدي وظيفة الردع أو الحماية، بل أصبح جزءًا من الآلية التي يُعاد عبرها تشكيل غزة وفق نموذج منزوع القوة والسيادة. وبذلك لا تحمي الاستراتيجية الحالية القطاع، بل تُسهم موضوعيًا في تفكيكه سياسيًا وأمنيًا.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام قيادة حماس، وأمام المشروع المقاوم عمومًا، هو الانتقال من منطق الرمزية العسكرية إلى منطق الحسابات الاستراتيجية طويلة الأمد، حيث تُقاس القوة بقدرة المجتمع على البقاء والصمود، لا بعدد الصواريخ أو جولات التصعيد. ففي موازين السياسة، لا يُهزم الطرف حين يخسر معركة، بل حين يُفرض عليه واقع يفقد فيه أدوات القرار والسيادة.