البناء المنهار

طرابلس مهددة بانهيار العديد من المباني القديمة نتيجة الإهمال والبناء العشوائي

 

 

 

إن انهيار أبنية الفقر والحرمان على سكانها ما هو إلا نتيجة لانهيار البناء الأساسي؛ أي الدولة!  إن انهيار مباني "التبانة" أو "باب التبانة" و"بعل محسن" أو "جبل محسن"، هو النتيجة الحتمية لانهيار قضية الشهيد خليل عكاوي (أبو عربي) ورفاقه، الذين حملوا لواء هذه المنطقة المأساوية اجتماعياً، والتي تصلح مآسيها لكتابة مسلسلات عن فقراء يعجز فقهاء الأدب عن وصفهم.

كتبتُ يوما، منذ عدة سنين ليست ببعيدة، أثناء الاشتباكات التي كانت تدور بين فقراء المنطقة الواحدة في باب التبانة وجبل محسن، وتحديداً عند استشهاد أحد شباب تلك المرحلة؛ "لأعود" وأذكر بقصة ذاك الشهيد لأن في هذا البلد لا مرور للأيام ولا للسنين، وكأن عقارب الزمن قد توقفت عند حالات لا تتغير ولا تتبدل.

همس في أذن صديقه وطبيبه الذي استأصل ساقه اليسرى بعد تلك القذيفة التي مزقتها، وفي أول لحظة استعاد فيها وعيه قال: "اسمع يا حكيم، أريد لساقي قبراً لائقاً في جبل الزيتون المطل على المدينة". ضحك الحكيم وهو يداري دموعاً هطلت كمطر الربيع وقال: "سنفعل، وسأكتب على الشاهد شيئاً من مبادئك". أجابه بسرعة: "لكنك لست من المعجبين بمبادئي!"، فرد الحكيم: "هذا كان قبل إصابتك، أما الآن فقد اختلف الوضع".

وبعدها عادت السماء تمطر ناراً مبشرة بجولة عنف شديدة، قُصف خلالها مقر الشباب حيث يوجد "صاحب الساق الواحدة"، وبدأت سيارات الإسعاف تحاول الدخول إلى المنطقة دون جدوى. آلة التصوير لا تزال تعمل، تسجل أنين صاحبها وهو يقول: "أريدكم أن تدفنوني هنا في طرابلس، وكما أخبرتكم سابقاً، لست موافقاً على جلب ساقي من مكان دفنها... هناك... أريد أن يكون لي قبران في وطني؛ أريد أن أنتقم من وطن لم يمنحني بيتاً واحداً، فقررت أن آخذ فيه قبرين اثنين".

هذا ما سجلته آلة التصوير قبل أن يوقفها المسعفون! أمثال هذا الشهيد هم من يهاجرون إلى جميع عواصم الدنيا، ينتشرون جغرافياً بعيداً عن أهلهم وأحبائهم وأرضهم، وينفصمون تاريخياً؛ فلا هم أمريكان ولا يونان ولا تشيك ولا فرنسيون، ولا يطمحون أصلاً أن يكونوا أحداً من هؤلاء.

وفي هذه الأثناء، يتجمع الحكام اللبنانيون جنباً إلى جنب في اجتماعات حوار "موسعة"، وأحياناً أخرى يلبون الدعوة لـ"اجتماع وزاري طارئ" بعد غرق قارب أو انهيار بناء.. وهكذا، صار نصف الشعب اللبناني يعيش في الخارج بعيداً عن حدود الوطن، أو يموت وهو في طريقه إلى المنافي!!

الصراحة، إن واقع حالنا هو ما يسميه المواطن اللبناني محاولة "تدويخ". يا إخوتي، "دوخوا" قليلاً لعلكم تصابون بحالة وعي، فتقررون آنذاك إما الاستمرار في حالة "الفصام" (الشيزوفرينيا) التي أصبحت ملجأً لكم، أو الانتقال إلى حالة التمرد الإيجابي الذي قد يكوي السطر الأول في مسح العار المبروز على جبينكم، أو إصدار بيان مشترك "هوائياً" و"تويترياً" وورقياً تعلنون فيه إفلاسكم النهائي سياسياً وحضارياً، وتزحفون إلى عواصم الغرب عارضين كفاءاتكم وخدماتكم، آملين إما نيل شفقة الشعوب الأوروبية والأمريكية، أو الاسترسال في تحمل عنصريتها.

وعند ذاك، يصبح رمز تحرر اللبنانيين وبسماركهم (بسمارك) الجديد زعيماً أوروبياً من نوع "لوبان" الفرنسية، أو "شتراوس" الألماني (رئيس الاتحاد الاجتماعي المسيحي)، أو "عمر بونغو" الأفريقي.

هل يمكن أن تستمر في القراءة والسماع، على امتداد خمسين عاماً، لكلام من نوع: "المرحلة الصعبة"، "السيادة"، "الشفافية"، "المحاسبة"، "بسط سلطة الدولة"، "مشاورات مكثفة وجهود حثيثة"، "اجتماع روحي على مستوى القمة لمعالجة الأزمة"؟! إنها معلقات، آخِرها كأوّلها، وجوهرها كصدف البحار.. فارغ.

آمل أن أكون مخطئاً أو مبالغاً...

 

 

 

كلمات مفتاحية::
Loading...