
لم يعد ممكناً التعامل مع ما يجري في الشرق الأوسط بوصفه جولة تصعيد عابرة أو حرباً جديدة تُضاف إلى سجل المنطقة المثقل بالصراعات. فالمواجهة الدائرة اليوم كسرت خطوطاً حمراء ظلت قائمة لعقود، وفتحت الباب أمام احتمال إعادة تشكيل الإقليم كله، لا تعديل موازين القوى داخله فقط. إنها لحظة نادرة في تاريخ المنطقة، حيث لا تُختبر قدرات الجيوش فحسب، بل يُختبر النظام الإقليمي نفسه: قواعده، وتحالفاته، وحدوده، بل وربما خرائطه أيضاً. وبينما تنشغل العواصم بحسابات المعركة المباشرة، يتشكل في العمق سؤال أكثر خطورة: هل نشهد حرباً تنتهي بترتيبات جديدة، أم بداية زمن طويل من الفوضى لا يملك أحد مفاتيح نهايته؟
على مدى أربعة عقود، عاش الإقليم تحت ما يمكن تسميته توازن ردع غير متكافئ: صراع حاد بين إيران ومحور تقوده الولايات المتحدة وتتموضع فيه إسرائيل كرأس حربة متقدمة، لكنه صراع محكوم بسقف غير معلن يمنع الانزلاق إلى مواجهة مباشرة شاملة. كانت الحروب تُخاض عبر وسطاء، والضربات تُوجَّه بحساب، والاغتيالات تُنفَّذ في الظل، لأن الجميع كان يدرك أن فتح الحرب الكبرى يعني الدخول إلى منطقة مجهولة النتائج. اليوم، ومع وقوع المواجهة المباشرة فعلاً، يكون ذلك السقف قد انهار، وتكون معادلة الردع التي حكمت المنطقة منذ 1979 قد انتهت. وما نشهده ليس تصعيداً داخل النظام القديم، بل خروجاً منه. لقد انتقل الصراع من إدارة التوتر إلى محاولة حسمه.
في علم السياسة، ثمة فرق حاسم بين حرب تُخاض لتحسين شروط التفاوض، وحرب تُخاض لإعادة تعريف قواعد النظام الدولي أو الإقليمي. الأولى يمكن احتواؤها، أما الثانية فتميل إلى الاتساع لأنها تتعلق بأسئلة وجودية: من يحدد قواعد اللعبة؟ ومن يملك حق توزيع القوة؟ إعلان هدف تغيير النظام يضع الحرب في هذا الإطار. بالنسبة لإيران، لا يُفهم ذلك بوصفه تهديداً سياسياً بل تهديداً لكيان الدولة كما تشكل منذ الثورة. وفي مثل هذه الحالات تصبح الحرب حرب بقاء، حيث يتحول التصعيد من خيار إلى ضرورة. التجارب من العراق إلى ليبيا تشير إلى أن إسقاط الأنظمة بالقوة الخارجية قد يكون ممكناً، لكنه يخلّف فراغاً استراتيجياً يصعب ملؤه. غير أن إيران ليست دولة هشة أو مصطنعة، بل دولة حضارية عريقة ذات هوية قومية راسخة وبنية مؤسساتية عميقة. ولذلك فإن أي محاولة لإخراجها بالقوة من المعادلة الإقليمية قد تنتج فوضى أوسع من المشكلة التي يُراد حلها.
منذ أربعة عقود، شكّلت إيران عقدة النظام الإقليمي: لا يمكن دمجها بالكامل في النظام الذي تقوده واشنطن، ولا يمكن تجاهلها أو إقصاؤها دون دفع المنطقة نحو عدم الاستقرار. لذلك استقرت العلاقة معها على سياسة الاحتواء لا الإطاحة.
حتى الضربات التي تستهدف رأس النظام مهما كانت قاسية لا تغيّر هذه الحقيقة. فالدولة الإيرانية ليست نظام فرد، بل منظومة مؤسسات أمنية وعسكرية ودينية وبيروقراطية قادرة على إعادة إنتاج القيادة. بل إن التاريخ الإيراني نفسه يُظهر أن التهديد الخارجي غالباً ما يعزز النزعة القومية ويقلّص الانقسامات الداخلية. إضافة إلى ذلك، تعتمد إيران على نموذج قوة يقوم على الإنهاك لا الحسم: صواريخ بعيدة المدى، حرب سيبرانية، تهديد للملاحة والطاقة، وقدرة على نقل المعركة خارج حدودها. وهذا يعني أن أي حرب معها لن تكون معركة واحدة بل سلسلة معارك مترابطة زمنياً وجغرافياً.
لا جدال في التفوق العسكري التقليدي للتحالف الأمريكي–الإسرائيلي، لكن التجربة الحديثة أثبتت أن التفوق العسكري لا يضمن نصراً سياسياً، خصوصاً في الحروب التي تهدف إلى إعادة تشكيل دول كاملة. الولايات المتحدة تواجه إرهاقاً استراتيجياً بعد عقدين من الحروب، واقتصاداً عالمياً حساساً لأي اضطراب في الطاقة، وأولويات دولية متشابكة. أما إسرائيل، رغم تفوقها النوعي، فهي دولة صغيرة المساحة والسكان، ما يجعلها أكثر عرضة لحروب الاستنزاف طويلة الأمد. وهكذا قد يتحول النجاح العسكري التكتيكي إلى مأزق استراتيجي إذا لم يقترن بتصور سياسي قابل للتحقق.
إزاء ذلك، لا يبدو أن المنطقة تتجه إلى نتيجة واحدة، بل إلى ثلاثة مسارات كبرى قد تحدد شكل الشرق الأوسط لعقود قادمة: أولاً: شرق أوسط بقبضة أمريكية معززة، ويتحقق إذا تراجعت إيران بشكل حاد وفقدت قدرتها على التأثير الإقليمي. لكنه يتطلب استقراراً داخلياً إيرانياً وبناء نظام بديل، وهو أمر بالغ الصعوبة. ثانياً: شرق أوسط متعدد الأقطاب، وينشأ إذا صمدت إيران واستمرت قوة مؤثرة، ما يفرض توازن قوى جديداً لا يستطيع فيه أي طرف فرض هيمنته الكاملة. ثالثاً: فوضى استراتيجية ممتدة، وهو السيناريو الأقرب لتجارب المنطقة، حيث لا يُهزم أحد بشكل حاسم، فتستمر الصراعات منخفضة الحدة وتتآكل الدولة الوطنية في بعض المناطق، ويصبح عدم الاستقرار حالة دائمة.
في عالم معولم، لا تُحسم الحروب الكبرى في الميدان فقط، بل في أسواق الطاقة والمال. فاضطراب إمدادات النفط أو ارتفاع أسعاره قد يدفع قوى دولية عديدة إلى التدخل لوقف التصعيد، ليس بدافع أخلاقي بل لحماية مصالحها الحيوية.
الشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق يشبه ما وصفه غرامشي: مرحلة يموت فيها القديم ولا يستطيع الجديد أن يولد. في مثل هذه اللحظات تتكاثر الأزمات والحروب وسوء التقدير، لأن النظام الذي كان يضبط التفاعلات لم يعد قائماً، بينما لم يتشكل بعد نظام بديل. إذا استمرت الحرب، فلن تعود المنطقة إلى ما كانت عليه قبلها. فقد سقطت قواعد الاشتباك القديمة، ولم تُكتب بعد قواعد جديدة. وبين الفراغين تنشأ أخطر المراحل في تاريخ الأمم.
في ضوء المعطيات المتاحة، يمكن القول أن ما يجري ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل صراع على تعريف الإقليم نفسه: هل سيكون شرق أوسط تقوده قوة واحدة، أم ساحة توازنات متعددة، أم منطقة فوضى مفتوحة؟ الإجابة لم تتضح بعد، وربما لن تتضح سريعاً. لكن المؤكد أن هذه الحرب إذا استمرت لن تغيّر خرائط النفوذ فقط، بل ستعيد صياغة مفاهيم الأمن والتحالف والقوة لعقود قادمة. الشرق الأوسط لا يشهد حرباً فحسب، بل امتحاناً تاريخياً: إما ولادة نظام جديد من قلب النار، أو الانزلاق إلى زمن طويل بلا منتصر.