
كلما فكّر طرفا الحرب إيران وأمريكا، وخلفهما إسرائيل وحزب الله، بأن مخزون الذخائر آخذٌ بالنفاذ، وأن العالم يئن تحت تأثيرها، يبدأ التفكير بترتيباتٍ مؤقتةٍ لخفض مستوى القتال، ويجد طرفا الحرب وسطاء يساعدونهم على ذلك، بالذهاب إلى هدنة، أو إلى وقفٍ مؤقتٍ لإطلاق النار، يُفضي إلى مفاوضات.
الرئيس ترمب ومحرضه الملّح بنيامين نتنياهو، وضع أهدافاً للحرب لا يمكن أن تتحقق إلا باحتلالٍ بريٍ واسع النطاق، فما من حربٍ انتهت إلا وكانت أرضها قد احتلّت ورفع أهلها الراية البيضاء.
الإيرانيون وبإمكانياتهم المحدودة حيال إمكانيات الخصم ومن يمكن أن يجنّد ويستقطب، لم يتوقفوا عند تركيز جهدهم على الخصم المباشر، بل وسّعوا نطاق حربهم على ساحاتٍ عدة، كان يجب تجنبها خصوصاً تلك الساحات التي لعبت دوراً إيجابياً ملموساً في محاولات منع وقوع الحرب، وكانت تقيم علاقاتٍ كاملةً مع إيران وأمريكا، ما أهلّها لأن تكون وسيطاً فعّالاً بين الطرفين.
في الحروب دائماً ما يتجه اللوم وتحميل المسؤولية إلى من يبدأ بها، وفي هذه الحرب كانت أمريكا هي صاحبة قرار البدء وكانت إسرائيل هي الشرارة الأولى التي أشعلتها، وكانت إيران وإن تعرّضت للومٍ دوليٍ دائمٍ على الكثير من سلوكها التسليحي والتدخلات خارج حدودها، فإنها لاذت بالمفاوضات، كوسيلةٍ رئيسةٍ للنجاة من الحرب، مع تجاهلٍ لتحذيراتٍ جديّةٍ بأن الاحتشاد الحربي الأمريكي والتحريضات الإسرائيلية لن تكون مجرد ضغطٍ تفاوضي، وبفعل ذلك التجاهل كان أهم رجلٍ في شعبها ودولتها وسياساتها هو أول ضحايا التجاهل، وليس هو وحده وإنما أهم مساعديه في الحرب والحكم.
الرئيس ترمب ومنذ استعداداته العسكرية وتحضيراته لشن الحرب وقيامه بها فعلاً أعلن مواقف دلّت على أن سوء التقدير كان المؤثر الأساسي في قراراته، وهذه عيّنات منها:
في الأساس اعتمد على أن له جيشاً حاسماً داخل إيران، يملك أن يُنهي حكاية إسقاط النظام بمجرد إشارةٍ منه، قوامه متظاهرو المعارضة وحتى في استغلاله لهم، تخبّط كثيراً إذ قال لهم في البداية، واصلوا التظاهر فنحن قادمون إليكم، وقوموا باحتلال مراكز النظام، ولا تهدأوا فهذه فرصتكم في التخلص من حكامكم. ثم بعد ذلك أي بعد أن قُمعت التظاهرات طالبهم بالبقاء في البيوت إلى حين إنجاز العملية العسكرية، وبعد ذلك ينقضّون على النظام، حتى إنه اقترب من تحديد أسماء بدائله. والذي حدث أن أحداً لم يستجب.
وبعد أن امتلأت نفوس أتباع النظام بشعورٍ عميقٍ بالإهانة جرّاء بدء الحرب باغتيال زعيمهم وإمامهم، ورجل الدنيا والآخرة في معتقداتهم، تحدّث عن أنه غيّر النظام بالفعل، وأنه تلقى إشاراتٍ باستعداد ضحاياه للتفاوض، بما أوحى بأن استسلام إيران صار في جيبه، وهذا لم يحدث بالطبع.
وفي اليوم الثالث الذي كان نتنياهو أقنع ترمب بأنه سيكون يوم النصر الحاسم، أعلن ترمب بأنه يفكر بالدخول البري إلى إيران إذا ما لزم الأمر، مع أن الإمكانية الفعلية لذلك تبدو مستحيلة، فأرض الخصم التي يلمّح ترمب إلى احتلالها تبلغ مساحتها مليون وستمائة ألف كيلومترٍ مربع، وعدد سكانها يزيد عن التسعين مليوناً، وإذا ما أقدم ترمب ونتنياهو على مجازفة التدخل البري، فسوف يتراجع دور البوارج والطائرات، إذ يكفي المدافعون في هذه الحالة ما يتوفر بين أيديهم من سلاحٍ ليواصلوا حربهم به.
أخيراً... المسؤولية الرئيسية عن أي حرب، يتحمّلها الطرف البادئ بها والأقوى تسليحاً وإمكاناتٍ حربيةٍ وهو الطرف الأمريكي، دون إعفاء من لم يبدأ وهو الإيراني من مسؤولياته في توفير مبرراتها ومجالات توسعها، وبما أننا لسنا في معرض محاكمةٍ لأطرافها وأدوارهم فيها وسوء تقديراتهم فإن هذه الحرب كما قلنا في البداية قد تهدأ ولكنها لن تُحسم.