
تندرج رغبة إسرائيل في المواجهة مع إيران ضمن إطار أوسع من دراسات الأمن الإقليمي، حيث تتقاطع مفاهيم معضلة الأمن، وتوازن القوى، والردع المتبادل، مع اعتبارات الهوية والأيديولوجيا. فمنذ نجاح الثورة الخمينية وقيام الجمهورية الإيرانية عام 1979م، تحوّل الخطاب الرسمي الإيراني تجاه إسرائيل إلى عنصر بنيوي في سياساتها الإقليمية، الأمر الذي عزز إدراك النخبة الإسرائيلية لوجود تهديد طويل الأمد ذو طابع استراتيجي، وليس ظرفيًا.
في هذا السياق، لا يُفهم التفكير الإسرائيلي بالحرب باعتباره اندفاعًا عسكريًا بقدر ما هو تعبير عن عقيدة أمن قومي ترى في منع تعاظم قوة الخصم ضرورة استباقية للحفاظ على بقاء الدولة وأمنها.
يمثل البرنامج النووي الإيراني حجر الزاوية في الحسابات الإسرائيلية. فمن منظور "نظرية الردع النووي"، فإن امتلاك إيران لقدرة نووية – حتى دون إعلان رسمي – قد يخلق معادلة ردع متبادلة تقيد حرية القرار العسكري الإسرائيلي.
وقد تجسدت هذه الإشكالية بوضوح في الجدل الدولي الذي رافق توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2015، والتي اعتبرتها إسرائيل غير كافية لضمان منع إيران من تطوير قدرة نووية عسكرية مستقبلًا. ومن هنا، يمكن تفسير الإصرار الإسرائيلي على الاحتفاظ بخيار عسكري مستقل بوصفه جزءًا من سياسة “المنع الاستراتيجي”، أي منع الخصم من بلوغ مستوى قوة يُحدث اختلالًا هيكليًا في ميزان الردع.
أضف إلى ذلك، استناد الرؤية الإسرائيلية إلى أن إيران لا تمثل تهديدًا مباشرًا فحسب، بل تقود نمطًا من “الحرب غير المتكافئة” عبر فاعلين من غير الدول. ويتجلى ذلك في دعم قوى مسلحة في لبنان وسوريا والعراق، والأراضي الفلسطينية، وأطراف أخرى في الإقليم. فمن منظور الجيوبوليتيك، ترى إسرائيل في هذا الانتشار محاولة لإحاطتها بطوق صاروخي متعدد الجبهات، ما يحول أي مواجهة مستقبلية إلى حرب استنزاف واسعة النطاق. وبالتالي، فإن استهداف البنية التحتية العسكرية المرتبطة بإيران خارج حدودها يُعد – وفق العقيدة الإسرائيلية – جزءًا من إدارة الصراع قبل تحوله إلى مواجهة شاملة.
يضاف لما سبق، اعتماد إسرائيل بالحفاظ على ما يُعرف بالتفوق العسكري النوعي، وهو مبدأ يقوم على ضمان امتلاكها قدرات تكنولوجية واستخباراتية متقدمة مقارنة بخصومها الإقليميين.
غير أن تطور القدرات الصاروخية الإيرانية، خصوصًا في مجالات الدقة والمدى، يفرض تحديًا لهذه المعادلة، إذ قد يؤدي إلى تقليص هامش المناورة الإسرائيلي في أي نزاع واسع. فوفق نظرية "الردع الموسع"، فإن إسرائيل تسعى إلى ترسيخ صورة قدرتها على إلحاق ضرر بالغ بأي خصم، وفي الوقت ذاته منع تشكل قدرة ردع مقابلة فعّالة لدى إيران.
ولا تنفصل هذه الحسابات عن شبكة علاقاتها الدولية التي تقيمها إسرائيل، ولا سيما مع الولايات المتحدة. فالتنسيق الأمني والدعم العسكري الأميركي يشكلان ركيزة أساسية في الاستراتيجية الإسرائيلية.
ومع ذلك، أظهرت الخلافات التكتيكية بين الجانبين – خاصة في ملف الاتفاق النووي – أن إسرائيل مستعدة لاتخاذ مواقف أكثر تشددًا إذا رأت أن الترتيبات الدولية لا تضمن أمنها على المدى الطويل. كما يلعب التهديد الإيراني دورًا مهمًا في تشكيل الخطاب الأمني والسياسي داخل إسرائيل. فوفق ما يعرف في دراسات الأمن القومي بـ"نظرية الأمننة"، يُعاد تعريف بعض القضايا بوصفها تهديدات وجودية تستدعي إجراءات استثنائية.
وقد ساهم تصوير إيران كخطر استراتيجي في تعزيز حالة الإجماع النسبي داخل المجتمع الإسرائيلي حول أولوية الاستثمار في الدفاع الصاروخي والاستخبارات والقدرات السيبرانية.
وعلى الرغم من اعتبار الحرب خيارًا مطروحًا في الأدبيات الاستراتيجية الإسرائيلية، فإن كلفتها المحتملة مرتفعة. فالمواجهة المباشرة قد تتحول إلى صراع إقليمي متعدد الأطراف، مع احتمالات استهداف العمق الإسرائيلي بصواريخ بعيدة المدى، وتعطّل البنية التحتية الحيوية. لذلك، يُفهم الخيار العسكري غالبًا بوصفه أداة ردع وضغط سياسي، أكثر منه هدفًا قائمًا بذاته.
إجمالاً، إن إدراك إسرائيل لأهمية الحرب ضد إيران لا ينبع من رغبة في المواجهة بحد ذاتها، بل من تصور استراتيجي يرى في تعاظم القوة الإيرانية –خصوصًا النووية والصاروخية– تهديدًا بنيويًا طويل الأمد. وبالتالي، فإن السياسة الإسرائيلية تتأرجح بين إدارة الصراع، واحتوائه، ومنع تحوله إلى واقع ردعي جديد يقيّد حركتها الاستراتيجية. وفي ضوء تعقيدات البيئة الإقليمية، تبقى احتمالات الحرب محكومة بمعادلات الردع المتبادل، والتوازنات الدولية، وكلفة الانزلاق إلى صراعٍ قد يعيد تشكيل النظام الأمني في الشرق الأوسط برمته.
د. إبراهيم عبيد
أستاذ العلاقات الدولية المشارك
جامعة الاقصى، فلسطين