عن الصوت الذي سمعناه بعد أن صمت

الكاتب والصحفي هشام ساق الله

 

لماذا ننتظر رحيلهم عن دنيانا لنقول ما يستحق أن يقال لهم وهم أحياء؟

وطالما نجلّهم بهذا القدر، لماذا كنا نمارس بحقهم كل فنون التهميش والإقصاء، ونضرب بآرائهم عرض الحائط؟

هشام ساق الله ـ بحسب ما أجمعت عليه القيادة بمختلف مستوياتها - كان صاحب حضورٍ مهنيٍ ووطنيٍ واضح، وصوتاً صحفياً ناقداً وصريحا. لكن يبدو أن معايير الصعود والتقدير والاستماع لا تقاس في واقعنا السياسي والتنظيمي بالقيمة المهنية ولا بالإجماع الأخلاقي.

لقد علّمتنا العواصف التي مرّت بنا أن لدى القيادة ولعاً بمنح آذانهم لمن يزينون لها أخطائها ويدفعونها دفعاً باتجاه الحفر.. تنظيميا، حدث هذا ويحدث في طبخة "السادس" و"السابع" وها نحن نأكل ما طبخه الطبّاخون..

وسلطويا، حدث ويحدث هذا منذ تأسيس السلطة، حتى وصلت إلى قاعٍ ما كان يمكن أن تهوي إليه لو أنها أصغت إلى منتقديها بقدر ما أصغت إلى منافقيها.

ويبقى السؤال لماذا ننتظر لحظة الغرق الفعلي لندرك أهمية الإصغاء إلى من كانوا يدقّون جدران الخزان بكلماتهم وأصواتهم؟

هذا السؤال الأخلاقي لا يتعلق بشخص هشام ساق الله وحده، بل يطال ثقافتنا العامة كلها. فكم من صاحب رأيٍ صادقٍ وسيرةٍ حسنةٍ تم تهميشه في حياته، ثم تحوّل بعد رحيله إلى سيرةٍ يُجمع الجميع على تقديرها.

رحل هشام عن دنيانا، لكن السؤال الذي يتركه خلفه ليس سؤال رثاء، بل سؤال ضمير:

هل سنتعلم شيئاً هذه المرة؟

إن لم يتحول وجع رحيله إلى مراجعةٍ حقيقيةٍ لطريقة تعاملنا مع النقد، ولمعايير التقدير والصعود في حياتنا السياسية والتنظيمية، فسيبقى كل ما قيل مجرد كلمات عزاء جميلة.

وسنظل نكرر المشهد نفسه:

نُقصي أصحاب الأصوات الصادقة وهم بيننا، ثم نكتشف قيمتهم بعد أن يصمت صوتهم إلى الأبد.

وعندها فقط.. نبدأ بكتابة المراثي.

 

 

 

كلمات مفتاحية::
Loading...