
شكّلت الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران منذ أكثر من أسبوعين انعكاساً خطيراً في تطورات الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط، لأنها تعكس انتقال المواجهة من مستوى الصراعات غير المباشرة والحروب بالوكالة إلى مستوى الصدام العسكري المباشر بين قوى إقليمية ودولية فاعلة. وعلى الرغم من أن طرفي الحرب المباشرين هم الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، فإن الانعكاسات الاستراتيجية لهذا الصراع تتجاوز حدود هذه الأطراف لتطال مجمل دول الإقليم، ولا سيما الدول العربية، وخاصةً دول الخليج العربي. فالجيوبوليتك للمنطقة العربية يجعل منها مجالاً حيوياً تتقاطع فيه المصالح الجيواستراتيجية والجيواقتصادية للقوى المتصارعة، الأمر الذي يضعها في قلب تداعيات الحرب رغم انعدام دور دولها في صنع قرار الحرب، وحتى السلم بعدما ستنتهي.
أعتقد أن العرب هم الخاسر الأكبر في هذه الحرب، ليس فقط من حيث التداعيات والانعكاسات الأمنية المباشرة، بل أيضاً من حيث انعكاساتها السياسية والاقتصادية. فمن الناحية الأمنية، تظل المنطقة العربية الساحة الأكثر عرضة والمرشحة لاحتمالات توسع الصراع، خصوصاً في ظل انتشار القواعد العسكرية الأمريكية الدائمة التابعة لها في السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت والعراق وعُمان والأردن، ناهيك عن عشرات المواقع العسكرية واللوجستية الموجودة داخل أراضي هذه الدول، وهو ما أدى إلى تحويلها إلى ساحات ردعٍ متبادلٍ، وأهداف مباشرة للصواريخ والمسيرات الإيرانية وما تحمله معها من دمار وخراب وخسائر بشرية. كما أن اتساع نطاق العمليات العسكرية سيفتح المجال أمام حروب الوكالة، ويخلق توتراتٍ أمنية في أكثر من دولة عربية، الأمر الذي يزيد من هشاشة البيئة الأمنية الإقليمية الهشة أصلاً، ويهدد الاستقرار الداخلي فيها.
أما اقتصادياً، فإن أي اضطراب في استقرار الخليج العربي أو في الممرات البحرية الحيوية التي تنقل الطاقة والتجارة العالمية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، سينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد العربي لأنه اقتصاد ريعي يعتمد بالدرجة الأولى على تصدير الطاقة. صحيح أن ارتفاع أسعار النفط قد يوفر مكاسب مؤقتة لبعض الدول المنتجة، إلا أن استمرار الحرب سيلحق الضرر بالاستقرار الاقتصادي والاستثماري العربي على المدى القريب والبعيد، ويزيد من حالة عدم الاستقرار في أسواق الطاقة. أما على الصعيد السياسي والاستراتيجي، فقد تفضي هذه الحرب إلى إعادة ترتيب أولويات القوى الدولية والإقليمية بما يؤدي إلى تراجع الاهتمام بالقضايا العربية المركزية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وبحجة أن الإقليم منشغل بصراعٍ أخطر وأوسع مع إيران، قد تجد إسرائيل هامشاً مناسباً للتحرك السياسي والاستراتيجي دون ضغوط دولية كافية، والناس في غزة المدمرة أول من يدفع هذا الثمن.
وهنا تكمن الخطورة والمفارقة؛ فبينما تتنافس القوى الكبرى على النفوذ والردع في الشرق الأوسط، يتحمل العالم العربي القسط الأكبر من كلفة هذه الحرب دون أن يكون فاعلاً أو مؤثراً في تحديد مسارها أو نتائجها. وبذلك يبدو الصراع الحالي مثالاً جلياً على معضلة النظام الإقليمي العربي وهشاشة واقعه البنيوي والقيمي، حيث تصبح المنطقة مسرحاً لصراعاتٍ تقودها دول عظمى لصالح طرف إقليمي هو إسرائيل، في ظل عجز وغياب أي مشروع عربي مستقل قادر على حماية مصالحه الاستراتيجية.