بين الجغرافيا والاقتصاد السياسي والعقيدة، مخاطر إضفاء الطابع الديني على صراعات المنطقة

 

 

 

في خضم التصعيد العسكري العدواني الامريكي الإسرائيلي في الشرق الأوسط، أعادت تصريحات وزير الدفاع الأمريكي الأخيرة الجدل حول طبيعة الخطاب السياسي الذي يرافق هذه الحروب. فالإشارة إلى مواجهة بين ما يسمى “القيم المسيحية – اليهودية” و“الإسلاموية” لا تبدو مجرد صياغة خطابية عابرة، بل تعكس اتجاهاً فكرياً متجذراً في بعض دوائر التأثير السياسي والفكري في الغرب وتحديدا بالولايات المتحدة، التي تعتبر توساطها ترامب "كخيار إلهي لمحاربة الشر".

هذا الخطاب يرتبط بصعود التيارات المسيحية الصهيونية والإنجيلية الجديدة في الولايات المتحدة، والتي تتقاطع في كثير من مواقفها مع توجهات اليمين الشعبوي والمحافظين الجدد، والتي تجد امتدادات لها في بعض الأوساط اليمينية الأوروبية واللاتينية الأمريكية. وفي هذا السياق، يُقدم الصراع في الشرق الأوسط أحياناً باعتباره جزءاً من مواجهة حضارية بين الغرب وخصومه، وليس نتيجة مباشرة لصراعات سياسية أو لواقع الاحتلال والاستعمار الاستيطاني في فلسطين.

ويتقاطع هذا المناخ الفكري مع الخطاب السياسي الذي عاد إلى الواجهة في الولايات المتحدة مع صعود الترامبية الفاشية، حيث يجري أحياناً توظيف الرمزية الدينية والثقافية في تفسير الصراعات الدولية، وكأنها معركة أخلاقية أو حضارية بين الخير والشر. مثل هذا الخطاب يجد صدى لدى قطاعات من التيار الإنجيلي الداعم لإسرائيل، ويمنح السياسات الأمريكية في المنطقة بعداً أيديولوجياً يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية.

تكمن خطورة هذا الاتجاه في أنه يعيد تعريف طبيعة الصراع، فعندما تُقدم الحروب باعتبارها دفاعاً عن حضارة أو عقيدة، تتحول النزاعات السياسية القابلة للتفاوض إلى مواجهات وجودية يصعب التراجع عنها. فالصراع لم يعد فقط يدور حول حدود أو مصالح أو ترتيبات جيوسياسية، بل حول الهوية والرسالة التاريخية.

هذه الرؤية ليست بعيدة عن أطروحة المفكر صمؤيل هنتينجتون حول “صدام الحضارات”، التي افترضت أن الصراعات المستقبلية ستكون بين كتل حضارية كبرى. وعلى الرغم من الانتقادات الواسعة التي وُجهت لهذه النظرية، فإن بعض الخطابات السياسية في الغرب ما زالت تعيد إنتاجها بصيغ مختلفة، خاصة في سياق الحروب الوحشية الدائرة في منطقتنا التي يقررها الحلف الإستراتيجي الامريكي الإسرائيلي.

ويتجلى أثر هذا الخطاب في الطريقة التي يُفسر بها الصراع في فلسطين والمنطقة اليوم، فعدوان الإبادة الإسرائيلي المدعوم أمريكيا على غزة وما رافقه من دمار واسع لا يُقدم في بعض الدوائر الغربية باعتباره نتيجة للاحتلال الاستيطاني أو لفشل عملية السلام، بل يُصور أحياناً كجزء من مواجهة حضارية أوسع. وفي هذا الإطار، يُقدم التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل ليس فقط كشراكة استراتيجية، بل كتحالف يقوم على أسس ثقافية ودينية مشتركة.

ويتزامن هذا الخطاب مع تسارع سياسات الضم والاستيطان في الضفة الغربية التي تنفذها حكومة نتنياهو، والتي لا تقتصر على توسيع المستوطنات والضم، بل تمتد إلى إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والسياسي في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفصل غزة، بما يهدد عملياً بإلغاء إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة.

وفي هذا السياق، يشير المؤرخ الإسرائيلي المناهض للصهيونية "ايلان بابيه" إلى أن ما يجري اليوم يعكس تحولاً أعمق في التفكير السياسي داخل إسرائيل. فالحروب لم تعد تُقدم داخل المجتمع الإسرائيلي بوصفها إجراءات أمنية مؤقتة، بل كجزء من مشروع تاريخي أوسع يرتبط برؤية أيديولوجية–دينية تعتبر اللحظة الحالية فرصة لإعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة وإنجاز ما تسميه بعض التيارات الصهيونية “تصحيح أخطاء الماضي”.

وعندما يتقاطع هذا التصور مع الخطاب الحضاري في بعض الدوائر الغربية، مع مشاريع الضم الزاحف في الضفة الغربية والترتيبات الأمريكية لغزة، تصبح الصراعات أقل ارتباطاً بالترتيبات السياسية وأكثر ارتباطاً برؤية أيديولوجية تتحدث صراحة عن إعادة تشكيل المنطقة وفق تصور “إسرائيل الكبرى”.

لكن، ورغم أهمية هذا البعد العقائدي، فإن اختزال الصراع في إطار ديني فقط يبقى تبسيطاً مضللاً. فالحروب في الشرق الأوسط ترتبط أيضاً بمصالح جيوسياسية واقتصادية عميقة، تشمل سياسات البترودولار والطاقة والأسواق والممرات البحرية الاستراتيجية، إضافة إلى دور مجمع الصناعات العسكرية والتكنولوجية في النظام الدولي أحادي القطب القائم.

فالتحالف مع إسرائيل والعمليات العسكرية في المنطقة لا يعكسان فقط دفاعاً عن “قيم حضارية”، بل يشكلان أيضاً أدوات للحفاظ على النفوذ الأمريكي وضمان السيطرة على الموارد الحيوية في النظام العالمي الذي يريدون استمراره لمنع التحولات الجارية به.

إن أخطر ما في إضفاء الطابع الديني على الصراعات السياسية أنه لا يهدد فقط فرص التسوية التي هي بعيدة اصلا، بل يعيد تشكيل طبيعة النزاعات نفسها. فحين تُقدم الحروب باعتبارها دفاعاً عن الحضارة أو العقيدة، تصبح التسويات السياسية أشبه بتنازلات وجودية يصعب قبولها وهو امر تسعى له الحركة الصهيونية.

وفي منطقة مثل الشرق الأوسط، حيث تتقاطع الهويات الدينية مع التنافس الجيوسياسي، يمكن لمثل هذا الخطاب أن يهيئ البيئة الفكرية لحروب أطول وأكثر خطورة كما ولتبرير الدوافع الكامنة. فالتاريخ يبين أن الحروب التي تُخاض باسم الدين أو الحضارة غالباً ما تكون الأكثر دموية والأطول زمناً، لأنها تحوّل الصراع من نزاع سياسي قابل للحل احيانا إلى مواجهة وجودية مفتوحة.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي اليوم لا يقتصر على إنهاء الحروب الدائرة، بل يتجاوز ذلك إلى منع تحويلها إلى صراعات هوية أو عقيدة، لأن استمرار هذا المسار لا يهدد فقط مستقبل القضية الفلسطينية، بل يهدد أيضاً استقرار الشرق الأوسط برمته حيث تعتبر إسرائيل فيه خط الدفاع الأول عن الحضارة الغربية في مواجهتها مع الشرق الناهض.

 

 

 

 

Loading...