
لم يمض وقتٌ طويلٌ على حرب غزة وامتدادها على أجزاء واسعةٍ من جغرافية الشرق الأوسط، حتى اندلعت الحرب الأكبر مع إيران وذراعها حزب الله، ما جعلها فعلاً حرباً إقليمية.
الحرب على غزة دخلت عامها الثالث، كان نتنياهو أسماها حرب السيوف الحديدية، وحسب احتياجاته الانتخابية، كان يغيّر ويبدّل الأسماء، إلى أن وصفها بالقيامة، والحرب الوجودية.
ووعد ناخبيه بنصرٍ مطلق، لم يقصد به إنهاء وجود حماس في غزة، بل إنهاء القضية الفلسطينية من أساسها، وليس هذا فقط بل وعد بسيطرةٍ كاملةٍ على الشرق الأوسط، ما يوفّر له سيطرةً على العالم من خلال علاقته مع رئيس القوة الأمريكية العظمى، التي يتصرف كما لو أنها كتيبةٌ من كتائب جيش الدفاع، أو فرعٌ من فروع الليكود في واشنطن.
في حربه على غزة وهدفه المتسرّع والمستحيل بتحقيق النصر المطلق، دمّر غزة عن بكرة أبيها، إلا من بعض بنايات متصدعة، وقتل من نسائها وشيوخها وأطفالها، ما أهّله لأن يُصنّف دولياً ويحكم عليه كمجرم حرب، تجري ملاحقته في معظم دول العالم.
نجح نتنياهو في توريط دونالد ترمب الذي تشارك معه في حربٍ اعتبرتها الأغلبية الدولية بل الإجماع، بأن لا لزوم لها، واعتبرها الأمريكيون خارجةً عن مؤسساتهم التشريعية، ولأول مرةٍ في تاريخ أمريكا يُتّهم علناً رئيس الدولة العظمى، بتبعيةٍ ذليلةٍ لبنيامين نتنياهو.
قبل تورط ترمب في الحرب، وأثناء مفاوضاته مع إيران، نصحه أمريكيون مهمون وأوروبيون وعربٌ ومسلمون وصينيون وروس، بأن يواصل مفاوضاته مع إيران، وأن يستبعد نهائياً الحل العسكري، إلا أنه فضّل وضع نتنياهو ومصلحته الخاصة في كفة، والعالم كله في كفّةٍ مقابلة، مرجحاً كفّة نتنياهو، وها هو يخوض حرباً قدّر أنها ستحسم في أيّامٍ تعدّ على أصابع اليد، وإذا به يخوض حرباً هو ذاته لا يرى موعداً لإنهائها.
في هذه الأيام، اتحد نتنياهو مع ترمب في أمرٍ جديد، وهو توجيه صرخةٍ مشتركةٍ لدول العالم وخصوصاً الأوروبية، للمشاركة في الحرب، وذلك جاء بمثابة اعترافٍ بأنهما وحدهما ترمب ونتنياهو، غير قادرين على حسمها، وذلك مخالفاً لكل أدبياتهما بشأن انجازاتهما التي تبدو هشّةً ومفتعلةً مع كل صاروخٍ إيرانيٍ يهبط على إسرائيل.
هل يتذكّر نتنياهو كيف كان يسخر من العالم الذي طلب منه التوقف عن قتل أهل غزة وتدمير حياتهم؟
هل يتذكّر تبجّحاته بالسيطرة على الشرق الأوسط والعالم، بينما الوقائع تقطع بأنه وشريكه دخلا مغامرةً غير محسوبة الخسائر وغير معروفة النهايات والمآلات؟
وزير دفاع نتنياهو يهدد بجعل خانيونس ودير البلح نموذجين لما سيفعل في إيران ولبنان، فهل وصل الغباء الإسرائيلي حدّ توقع استجابة العالم كله لحربٍ على هذا المستوى ولمصلحة نتنياهو الانتخابية؟ أو حتى لمصلحة جنون ترمب المقبل على انتخاباتٍ نصفيةٍ سوف تحدد مصيره؟
يبدو أن الأوان فات فعلاً، وأن تذكّر ترمب ونتنياهو بأن في العالم قوىً غيرهما صار لا جدوى منه، فمن لم يستشر العالم في مغامراته، لا يحق له منطقياً المطالبة بمشاركته في حربٍ فتحها على حسابه ولا يقبل العالم أن يكون فيها مجرد شريك خسارة.