.jpg)
تُعرّف عقدة الانتقام في العلاقات الدولية بوصفها نمطًا سلوكيًا تتبنّاه الدول أو النخب الحاكمة في سعيها لتأويل تجارب الهزيمة أو الإحساس بالظلم التاريخي ضمن سرديات الهوية المرتبطة بالقومية. ويلعب الدين دورًا مهمًا باعتباره محرّكًا أساسيًا يتم توظيفه للانتقام، حيث يُعاد تعريف الصراع عبر ثنائيات متضادة، مثل: الحق والباطل، والمقدّس والمدنّس، بما يعزّز قابلية التعبئة الجماهيرية، ويرفع من مستوى تقبّل السياسات التصعيدية. وهذا النمط يتقاطع مع عناصر أخرى تتعلق بالذاكرة التاريخية وضغوط الرأي العام.
تُعدّ حرب الإبادة التي تقودها إسرائيل ضد قطاع غزة، عقب هجوم حركة حماس على مستوطنات غلاف غزة في صباح 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023م، مرحلةً فاصلة في تاريخ الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. هذا الصراع لم يكن فقط شديدًا وخطيرًا على الصعيد العسكري، بل كشف عن طبيعة الدوافع التي تحكم السلوك الإسرائيلي، والتي يمكن وصفها بما يُعرف بـ"عقدة الانتقام"، وهي جزء أصيل من الموروث الديني اليهودي، حيث يتم استدعاء وتوظيف النصوص والأساطير التوراتية لتأجيج المشاعر الدينية.
ففي خطابه المتلفز بتاريخ 25 تشرين الأول/أكتوبر 2025م، استدعى نتنياهو "نبوءة إشعياء" ضمن مساعيه لشرعنة حرب الإبادة على قطاع غزة، وقال: "نحن أبناء النور وهم أبناء الظلام، وسينتصر النور على الظلام".
إن الهجوم الذي نفذته حركة حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، لم يكن تحديًا أمنيًا فحسب، بل كان صدمةً وجوديةً واستراتيجية، أثرت على صناع القرار، فاختاروا استراتيجية تتجاوز منطق الردع التقليدي إلى منطق العقاب المكلف والمدمّر، الذي يصل إلى درجة الإبادة وفقًا لتسميات المؤسسات الحقوقية الدولية، خاصةً محكمة الجنايات الدولية.
وقد وُصف الهجوم في الخطاب الرسمي الإسرائيلي بأنه الأخطر منذ حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973م، وهو استدعاء تاريخي لم يأتِ من فراغ، بل جاء بهدف تأطير الحدث في سياق وجودي يبرّر استجابات استثنائية. وهنا تتحول الدولة - وفقًا لأصول علم العلاقات الدولية - من فاعل عقلاني يسعى لتحقيق مصالح محددة، إلى كيان يسعى لترميم واستعادة هيبته المكسورة وتنصيع صورته المخدوشة، وهو جوهر ما يمكن تسميته بـ"عقدة الانتقام الإسرائيلية"، وهي سلوك عبّر عنه بوضوح الحاخام المتطرف "مانيس فريدمان" حين تحدث صراحة عما سماها "قيم التوراة" أو "الطريقة اليهودية" في الحرب الأخلاقية، وقال: "إن الطريقة الوحيدة لخوض حرب أخلاقية هي الطريقة اليهودية، وفحواها: دمِّر أماكنهم المقدسة، واقتل رجالهم ونساءهم وأطفالهم ومواشيهم"، وهذا ما فعله الجيش الإسرائيلي حين أباد الشجر والحجر والبشر بلا رحمة. وهو ترجمة فعلية لعقدة الانتقام بصيغتها الدينية الدموية.
وإن قصة الطفل الرضيع البالغ من العمر أربعة عشر شهراً، والذي أثبتت التقارير الطبية أنه تعرض للتعذيب بأعقاب السجائر وبآلةٍ حادة في قدميه أمام أعين والده، لهي غيضٌ من فيض في مسيرة وسجل الجيش الإسرائيلي الفاشي.
على صعيد العقيدة العسكرية الإسرائيلية، شهدت الحرب تحولًا واضحًا في طبيعة العمليات الإسرائيلية على قطاع غزة. فلم تقتصر الضربات على أهداف محددة تهدف إلى إعادة التوازن، بل توسّعت لتشمل استخدامًا مكثفًا للقوة التي لا تميز أحدًا، مع استهداف البنية التحتية والمرافق المدنية. هذا التحول يعكس رغبة في إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر والخسائر بالفلسطينيين.
وهو ما ركّز عليه نتنياهو في خطابه حين استدعى نصًا دينيًا يقول: "يجب أن تتذكروا ما فعله العماليق بكم، كما يقول لنا كتابنا المقدس، ونحن نتذكر ذلك بالفعل، ونحن نقاتل بجنودنا الشجعان وفرقنا الذين يقاتلون الآن في غزة وحولها وفي جميع المناطق الأخرى في إسرائيل". هذا التصريح مطابق لما جاء في سفر صموئيل الأول: "اذهب وحارب العماليق، اقض عليهم قضاءً تامًا، هم وكل ما لهم، ولا تشفق عليهم، وأُقتل جميع الرجال والنساء والأطفال والرضع، وأُقتل ثيرانهم وغنمهم وجمالهم وحميرهم، وحاربهم حتى يَفنوا". وهذا شكل من أشكال الانتقام الجماعي، إذ يصبح الانتقام دافعًا دينيًا ومركزيًا يستند إلى استعادة الرد على الصدمة الأولى.
ثمة تحول يصعب فهمه بمعزل عن الخطاب السياسي المصاحب، وهو خطاب الكراهية والتحريض على القتل. فقد اتسم خطاب الحكومة الإسرائيلية المتطرفة، بقيادة رئيسها الفاشي "بنيامين نتنياهو"، بدرجة عالية من الحقد والكراهية والتعبئة، وتصوير الصراع كمواجهة وجودية لا تقبل التسويات. هذا الخطاب المبني على ثنائية حادة بين "نحن أصحاب الأرض" وهم "الأغيار"، ساهم في تبرير استخدام القوة الغاشمة وخلق قبول شعبي داخلي عزّز سياسة الانتقام.
وتؤكد تصريحات وزير التراث الإسرائيلي المتطرف "عميحاي إلياهو" جزءًا من الفكر التلمودي الداعي للانتقام، حين دعا إلى ضرب قطاع غزة بقنبلة نووية وإعادة بناء المستوطنات فيه. إن تصريحات هذا المتطرف تعبر عن وجود تيار كبير ومتغلغل داخل المجتمع الإسرائيلي، ويحظى بنفوذ في دوائر صنع القرار. ويتبنى هذا التيار - الذي تقوده التعاليم التلمودية - العنف ضد من يسميهم "الأغيار" من غير اليهود، وطردهم من أرض إسرائيل كما يزعمون، أو قتلهم، فليس أمام هؤلاء الأغيار خيار غير الإبادة أو التهجير.
في كتابه "الجريمة المقدسة"، ذكر الدكتور عصام سخنيني أن خطاب الإبادة الصهيوني استخدم التوراة وأسفارها لشرعنة جرائمه وممارسته ضد الفلسطينيين. ورغم التعارض الصارخ بين الصهيونية بوصفها حركة علمانية والتوراة بوصفها نصًا دينيًا، فقد استغلت الصهيونية الشريعة اليهودية في تحقيق أطماعها الاستعمارية في فلسطين. وقد اعتمد المسؤولون الإسرائيليون هذه الفكرة، وعلى رأسهم "ديفيد بن غوريون"، أول رئيس وزراء لإسرائيل، حين قال: "لا بد من وجود استمرارية من يوشع بن نون إلى الجيش الإسرائيلي". ويوشع - في اعتقادهم - قد مارس الإبادة حسب نصوص العهد القديم (التوراة).
من جهة أخرى، يأتي هذا السلوك في سياق أزمة سياسية داخلية، حيث واجهت الحكومة الإسرائيلية تحديات تتعلق بالثقة والانقسام الداخلي. في مثل هذه الظروف، تميل القيادات السياسية إلى توظيف الأزمات الخارجية لإعادة توحيد الداخل وتعزيز الشرعية فيما يعرف بـ"الهروب إلى الأمام". في حين يتقاطع البعد الديني والنفسي المتمثل بالرغبة في الانتقام مع البعد السياسي المتمثل بالحاجة إلى البقاء، لينتج سلوكًا أكثر اندفاعًا وتطرفًا ودموية، وأقل رشداً وعقلانية.
وكانت النتائج البشرية والسياسية لهذه المقاربة بالغة التأثير. فعلى الصعيد الإنساني، شهد قطاع غزة دمارًا وخرابًا واسعين وخسائر بشرية كبيرة جدًا، فيما أسهمت الحرب في تآكل صورة إسرائيل على المستوى الدولي وارتفاع الانتقادات كدولة عنصرية تمارس الإبادة، فضلًا عن تعميق دائرة الحقد والكراهية لأجيال قادمة، ما يجعل الصراع أكثر تعقيدًا واستعصاءً على الحل.
إن قراءة "عقدة الانتقام" من منظور حرب الإبادة الإسرائيلية تسلط الضوء على البعد الديني والنفسي الذي غالبًا ما يوظف في خدمة أهداف وغايات سياسية. فالدول، رغم طابعها المؤسسي، لا تتحرك في فراغ؛ إذ تلعب التصورات الدينية واللاهوتية دورًا جوهريًا في تشكيل سياساتها، خصوصًا في فترة الأزمات. وفي ضوء ذلك، يظل الانتقام وسيلة حاضرة ومتبعة، مع إدراك أنها لا تحقق الأمن على المدى البعيد، بل يعيد إنتاج حالة عدم الاستقرار، ويزيد من تعقيد ردة الفعل، والرغبة في الانتقام عند توفر الظروف المناسبة.
ختامًا، تُظهر الحرب العدوانية المستمرة على غزة منذ عام 2023م أن فهم السلوك الإسرائيلي يتطلب تجاوز القراءة العسكرية الضيقة، والانفتاح على تحليلات أكثر عمقًا تأخذ في الاعتبار التداخل بين الديني والنفسي والسياسي. فيتحول إلى دافع، والانتقام يصبح سياسة، ما يجعل الفعل السياسي محكومًا بمنطق الدين، الذي قد يكون فعّالًا، لكنه يزرع بذور الحقد والكراهية، ويضع تحديات مستقبلية أكثر تعقيدًا.