قانون المقصلة كأداة للإنتقام والفصل العنصري

وزير الأمن القومي إيتمار بن جفير أثناء احتفاله بإقرار القانون

 

 

 

في مفارقة تاريخية وسياسية لافتة، يأتي إقرار الكنيست الإسرائيلي بالقراءات الثلاث لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين في ذكرى يوم الأرض الخمسين، وهو اليوم الذي يرمز أساسا إلى صراع الفلسطينيين على الأرض والوجود والحقوق، ليحمل رسالة سياسية وقانونية تتجاوز مجرد تشريع عقابي إلى إعادة تعريف العلاقة بين الاحتلال والشعب الواقع تحت الاحتلال على أساس أكثر قسوة وعنصرية. فبينما يشهد العالم منذ عقود تحركات متزايدة لمنظمات حقوق الإنسان والمنظمات الدولية لإلغاء عقوبة الإعدام أو الحد منها، باعتبارها عقوبة قاسية وغير إنسانية ولا رجعة فيها، تمضي إسرائيل في الاتجاه المعاكس تماما، بإقرار قانون يوسع استخدام عقوبة الإعدام، ليس في إطار القانون الجنائي العام، بل في إطار صراع قومي وسياسي، ما يجعله أقرب إلى أداة سياسية منه إلى تشريع جنائي تقليدي.

على المستوى الدولي، يتعارض هذا القانون بشكل واضح مع الاتجاه العالمي العام نحو إلغاء عقوبة الإعدام، حيث ألغت غالبية دول العالم هذه العقوبة أو جمدت تنفيذها، كما أن منظمات دولية مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش تقود منذ سنوات حملات عالمية لاعتبار الإعدام انتهاكا لحقوق الإنسان الأساسية، وعلى رأسها الحق في الحياة. كما أن تطبيق عقوبة الإعدام على أشخاص من شعب واقع تحت الاحتلال يثير إشكاليات قانونية كبيرة في إطار القانون الإنساني الدولي واتفاقيات جنيف، التي تنظم علاقة القوة القائمة بالاحتلال بالسكان الواقعين تحت الاحتلال، وتضع قيودا صارمة على العقوبات، خاصة تلك التي تصدر عن محاكم عسكرية أو في ظروف نزاع مسلح. لذلك فإن هذا القانون، إذا تم تطبيقه، سيضع إسرائيل في مواجهة قانونية وأخلاقية مع منظومة القانون الدولي، ويعزز الاتهامات الموجهة لها بانتهاك القانون الإنساني الدولي.

القانون يقف خلفه بشكل أساسي وزير الأمن القومي إيتمار بن جفير والتيار اليميني المتطرف في إسرائيل، وقد حظي بدعم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وهو ما يعكس تحولات عميقة داخل المجتمع والسياسة في إسرائيل نحو مزيد من التطرف القومي والديني. فالقانون ليس مجرد استجابة أمنية لعمليات فلسطينية، بل هو تعبير عن مزاج سياسي واجتماعي متزايد يميل إلى العقاب الجماعي والتشدد، ويرى في الفلسطيني ليس خصما سياسيا بل عدوا وجوديا يجب التعامل معه بأقصى درجات القوة والعقاب. ومن هذه الزاوية، فإن القانون يعكس انزياحا في المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين المتطرف، ليس فقط على مستوى السياسة، بل أيضا على مستوى التشريع والقضاء ومفهوم العدالة نفسه.

ولعل ما هو أخطر في هذا القانون أنه يحمل طابعا عنصريا واضحا، إذ يكرس نص القانون نطاق تطبيقه على فئة بعينها من الجرائم المرتبطة بخلفيات "أيديولوجية أو قومية"، وهو تعريف فضفاض يتم تفسيره عمليا على أنه موجّه ضد الفلسطينيين تحديدا. ففي المقابل، لا يوجد نص مماثل يطبق على المستوطنين أو المواطنين اليهود الذين يرتكبون جرائم قتل بدوافع قومية أو دينية ضد الفلسطينيين، رغم وجود ما يعرف دوليا وإعلاميا بالإرهاب اليهودي. وهنا يتحول القانون من أداة قانونية عامة إلى أداة تمييز قانوني بين البشر على أساس القومية والهوية، وهو ما يشكل أحد التعريفات الأساسية لنظام الفصل العنصري عندما يتم تكريس التمييز في القوانين نفسها، وليس فقط في الممارسات.

ومن الناحية العملية، يقوم مشروع القانون على فكرة نفي وجود الإرهاب اليهودي، مقابل تصنيف الفلسطينيين عموما، ومن بينهم الأطفال، ضمن إطار "الإرهاب". وهذا التصنيف الواسع يفتح الباب لتطبيق القانون على فئات واسعة جدا، ليس فقط منفذي العمليات، بل أيضا المشاركين أو المخططين أو المساعدين أو حتى من يتم اتهامهم بدعم أو تشجيع عمليات، وهو ما يعني أن دائرة الأشخاص المعرضين لعقوبة الإعدام يمكن أن تتسع بشكل كبير. وهذا ما يجعل القانون ليس مجرد عقوبة لجرائم قتل، بل أداة ردع جماعي موجهة ضد مجتمع كامل.

ويكتنف الغموض أيضا آلية تطبيق القانون والضمانات القانونية للأسرى، حيث يشير مراقبون قانونيون إلى أن القانون يمنح وزير الأمن القومي صلاحيات تنفيذية واسعة، بما يشمل إمكانية الدفع نحو تنفيذ أحكام الإعدام دون الحاجة إلى طلب صريح من النيابة العامة أو دون إجماع كامل من القضاة العسكريين، وهو ما يقلل من الضمانات القضائية المتعارف عليها في القضايا التي تتعلق بعقوبة الإعدام. والأخطر من هذا، أن القانون يمنح الضابط الإسرائيلي الذي سينفذ حكم الإعدام حصانة مطلقة، ما يحوله عمليا إلى "قاض وجلاد" في آن واحد، وهو وضع يتعارض مع أبسط مبادئ العدالة الجنائية التي تقوم على الفصل بين سلطة الحكم وسلطة التنفيذ.

كما ينص القانون على الإعدام بلا استئناف، حيث يحظر أي تخفيف أو إلغاء للحكم بعد صدوره، ويمكن إصدار حكم الإعدام دون طلب من المدعي العام، مع وجوب تنفيذ الحكم خلال 90 يوما من صدور القرار النهائي. وهذا النص خطير جدا من الناحية القانونية، لأن عقوبة الإعدام في معظم الأنظمة القضائية في العالم تترافق مع درجات متعددة من الاستئناف والمراجعة بسبب خطورة العقوبة وعدم إمكانية التراجع عنها في حال حدوث خطأ قضائي. أما في هذا القانون، فيبدو أن الهدف هو تسريع التنفيذ وليس ضمان العدالة.

وتشير التقديرات إلى أن القانون يستهدف أولا المئات من أسرى "النخبة" من قطاع غزة، والذين يقدر عددهم بنحو 1400 أسير، يقبعون في سجون تحت الأرض مثل سجن الرملة، حيث يسعى الاحتلال من خلال هذا التشريع إلى توسيع دائرة الاستهداف لتشمل ليس فقط منفذي العمليات، بل أيضا المشاركين أو المخططين أو المساعدين. وهذا يعني أن القانون ليس موجها فقط للمستقبل، بل يمكن أن يستخدم ضد أسرى موجودين بالفعل في السجون، وهو ما يجعله أقرب إلى قانون انتقامي منه إلى قانون جنائي عادي.

وفي السياق الأوسع، يبلغ عدد الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية نحو 9500 أسير، بينهم نحو 350 طفلا و66 سيدة، ويعانون من ظروف اعتقال قاسية تشمل التعذيب والتجويع والإهمال الطبي. ومنذ 7 أكتوبر 2023 أدى هذا الوضع إلى استشهاد عشرات الأسرى نتيجة الإهمال الطبي والتعذيب، حيث تشير بعض التقديرات إلى وفاة نحو 100 أسير خلال هذه الفترة. وفي ظل هذه الظروف، فإن الحديث عن إقرار قانون الإعدام لا يمكن فصله عن السياق العام لظروف الاعتقال القاسية، ما يجعل الأمر يبدو وكأنه انتقال من سياسة السجن القاسية إلى سياسة القتل القانوني.

تاريخيا، لم تُطبق عقوبة الإعدام في إسرائيل سوى مرة واحدة فقط، وكانت بحق النازي أدولف أيخمان عام 1962، وهو ما كان يُستخدم دائما في الخطاب الإسرائيلي للدلالة على أن الإعدام إجراء استثنائي للغاية لا يُستخدم إلا في حالات الجرائم ضد الإنسانية الكبرى. لكن إقرار هذا القانون اليوم لتطبيقه على أسرى فلسطينيين يعني أن إسرائيل تنتقل من اعتبار الإعدام عقوبة استثنائية نادرة إلى أداة في الصراع السياسي والقومي، وهو تحول عميق في طبيعة الدولة والقانون والمجتمع.

بشكل عام،  لا يمكن النظر إلى هذا القانون باعتباره مجرد تشريع جنائي، بل هو مؤشر على تحولات أعمق داخل المجتمع والسياسة في إسرائيل، وتحول الصراع من صراع سياسي على الأرض والحقوق إلى صراع وجودي يقوم على نزع الإنسانية عن الطرف الآخر وتجريده من الحقوق القانونية الأساسية. وإقرار هذا القانون في ذكرى يوم الأرض تحديدا يحمل دلالة رمزية واضحة، وكأن الصراع الذي بدأ على الأرض قبل عقود ينتقل اليوم إلى صراع على الحق في الحياة نفسه. وإذا كان يوم الأرض يرمز إلى الصراع على الأرض والهوية، فإن "قانون المقصلة" قد يرمز إلى مرحلة جديدة من الصراع عنوانها ليس فقط السيطرة على الأرض، بل السيطرة على الحياة والموت أيضا.

 

Loading...