
منذ الأيام الأولى للحرب على غزة، لم يخفِ بنيامين نتنياهو طموحه في إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق رؤية يعتبرها تاريخية، تقوم على فرض معادلات ردع جديدة تنهي ما يسميه "محور التهديد"، وتفتح الباب أمام ترتيبات إقليمية تكرس تفوق إسرائيل وتطبيع حضورها كقوة مركزية لا يمكن تجاوزها. هذه الرؤية، التي استندت ضمنيا إلى إرث زئيف جابوتنسكي وفكرته الشهيرة “الجدار الحديدي”، لم تكن مجرد خطاب سياسي تعبوي، بل مشروعا استراتيجيا حاول نتنياهو ترجمته عبر الحرب المتعددة الجبهات، من غزة إلى لبنان، وصولا إلى المواجهة غير المباشرة ثم المباشرة مع إيران.
في ذروة هذه الرهانات، اعتقد نتنياهو أن اغتيال قادة بارزين في حزب الله وتكثيف الضربات على غزة سيقود إلى لحظة انكسار تاريخي لخصومه، وأنه بذلك يفتح الطريق أمام شرق أوسط جديد يبنى على أنقاض قوى المقاومة. غير أن هذه القراءة سرعان ما اصطدمت بواقع أكثر تعقيدا. فالحرب التي امتدت إلى إيران، بمشاركة أمريكية مباشرة أو غير مباشرة، لم تُنتج النتيجة التي سعى إليها. لم يتغير النظام الإيراني، ولم تتفكك بنية الدولة، بل أظهرت طهران قدرة لافتة على امتصاص الضربات وإعادة التموضع، ما دفع إدارة دونالد ترامب إلى القبول بهدنة مؤقتة، تبدو في ظاهرها تكتيكية، لكنها في جوهرها اعتراف ضمني بعدم القدرة على فرض شروط الاستسلام.
هذا التحول لم يكن تفصيلا عابرا، بل نقطة انعطاف استراتيجية. إذ إن فشل تغيير النظام الإيراني أسقط الركيزة الأساسية في مشروع "الشرق الأوسط الجديد" الذي بشر به نتنياهو. فإيران، التي كان يفترض أن تُقصى من المعادلة، بقيت لاعبا مركزيا، بل خرجت من المواجهة وهي أكثر رسوخا في معادلات الردع الإقليمي. ولم يكن ذلك بمعزل عن تفاعل حلفائها، وعلى رأسهم حزب الله، الذي رغم الضربات القاسية التي تلقاها، لم ينهَر كما توقّع نتنياهو، بل شارك بفعالية في الحرب، موسعا نطاق الاشتباك ليشمل عمق إسرائيل، من شمالها إلى وسطها وجنوبها.
هذا التطور يحمل دلالات تتجاوز البعد العسكري. فهو يعكس فشلا في تقدير طبيعة الخصوم، الذين لا يعملون ضمن منطق الدولة التقليدية فقط، بل ضمن شبكات مرنة من التحالفات والقدرات غير المتماثلة. كما يكشف حدود القوة العسكرية عندما تستخدم لتحقيق أهداف سياسية قصوى دون امتلاك أدوات مرافقة قادرة على إدارة ما بعد الحرب.
أما في غزة، فعلى الرغم من الكلفة الإنسانية الهائلة والدمار غير المسبوق، لم تختف حركة حماس من المشهد. صحيح انها أُضعفت عسكريا، لكن حضورها السياسي لم يُمحَ، ولا تزال تمثل، شئنا أم أبينا، أحد الفاعلين الأساسيين في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بالقضية الفلسطينية. وهذا بحد ذاته يشكل ضربة أخرى لفكرة "الحسم النهائي" التي سعى نتنياهو إلى تسويقها.
ولعل أحد أخطر ارتدادات هذه الحروب تمثل في أزمة الطاقة العالمية التي تفجرت نتيجة اتساع رقعة المواجهة وتهديد طرق الإمداد الحيوية. هذه الأزمة، التي تحتاج إلى وقت طويل للتعافي، لم تضر فقط باقتصادات الدول الكبرى، بل كشفت أيضا هشاشة النظام العالمي في مواجهة صراعات إقليمية متشابكة. وهنا، يمكن القول إن سعي نتنياهو لفرض “شرق أوسط جديد” لم يؤدِ إلى إعادة ترتيب الإقليم فحسب، بل ساهم في تسريع تحولات أوسع في بنية النظام الدولي نفسه.
أما داخليا، تبدو إسرائيل مقبلة على لحظة سياسية مفصلية. فمع اقتراب الانتخابات العامة في أكتوبر، تتراكم تداعيات الحروب التي خاضتها منذ عام 2022، والتي، رغم ما حققته من إنجازات تكتيكية، أفضت إلى خسائر استراتيجية عميقة. هذه الخسائر لا تقاس فقط بعدد الجبهات المفتوحة أو حجم الاستنزاف، بل بتآكل صورة الردع، وتراجع الثقة في القيادة السياسية والعسكرية.
في هذا السياق، يبدو احتمال نجاح نتنياهو في إعادة تشكيل ائتلاف مشابه للائتلاف الحالي ضعيفا. فالرجل، الذي عمل لسنوات على تهميش منافسيه داخل اليمين، يجد نفسه اليوم أمام فراغ قيادي يصعب ملؤه. وإذا ما خرج من الحياة السياسية لأي سبب، فإن إسرائيل ستدخل مرحلة انتقالية تفتقر إلى شخصية قادرة على ضبط توازنات اليمين المتشظي. وفي المقابل، لا يبدو اليسار الإسرائيلي في وضع يسمح له بملء هذا الفراغ، إذ يعاني هو الآخر من هشاشة سياسية وفكرية.
هذا الوضع ينذر بتحول عميق في طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي بحلول عام 2027. فقد لا تعود إسرائيل كما كانت، لا من حيث توازن القوى الداخلية، ولا من حيث موقعها الإقليمي. قد نشهد صعود تيارات أكثر تطرفا، أو العكس، عودة تدريجية إلى خطاب أكثر اعتدالا تحت ضغط الواقع، لكن المؤكد أن مرحلة ما بعد نتنياهو، إن حدثت، ستكون مختلفة جذريا.
وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي، لا تبدو الصورة أكثر اشراقا لإسرائيل. فالولايات المتحدة، التي كانت دائما الضامن الأساسي لتفوقها، تتجه نحو انتخابات نصفية للكونغرس في مناخ سياسي وشعبي يتسم بتزايد الانتقادات للدعم غير المشروط لإسرائيل. هذا التحول، وإن كان لا يعني انقلابا جذريا في السياسة الأمريكية، إلا أنه يشير إلى تآكل تدريجي في نفوذ اللوبيات المؤيدة لإسرائيل، وتراجع تأثير التيارات المرتبطة بالصهيونية المسيحية، خاصة بين الأجيال الشابة.
هذا التغير في المزاج الأمريكي له انعكاسات بعيدة المدى. فإسرائيل، التي اعتمدت لعقود على دعم شبه مطلق من واشنطن، قد تجد نفسها مضطرة للتكيف مع بيئة سياسية أكثر تعقيدا، حيث لم يعد الدعم مضمونا بنفس الدرجة، ولم تعد القدرة على التأثير في مراكز القرار بنفس القوة السابقة.
وفي ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن الشرق الأوسط يتجه بالفعل نحو مرحلة جديدة، لكن ليس وفق الرؤية التي طرحها نتنياهو. فبدلا من شرق أوسط خاضع لمنطق "الجدار الحديدي"، نحن أمام إقليم يعاد تشكيله عبر توازنات أكثر سيولة، تتداخل فيها القوى الإقليمية والدولية، وتلعب فيها الفواعل غير الدولتية دورا متزايدا.
كما أن النظام العالمي نفسه يشهد تحولا تدريجيا، مع صعود قوى دولية تسعى إلى كسر هيمنة الولايات المتحدة كقطب وحيد. هذا التحول، وإن كان بطيئا، إلا أنه يتسارع تحت ضغط الأزمات المتلاحقة، من الحروب الإقليمية إلى الأزمات الاقتصادية والطاقة. وفي هذا السياق، تصبح مشاريع الهيمنة الأحادية، مثل تلك التي حاول نتنياهو فرضها، أقل قابلية للتحقق.
قد يكون الدرس الأبرز من هذه المرحلة هو أن الشرق الأوسط لا يعاد تشكيله بإرادة طرف واحد، مهما بلغت قوته، بل عبر تفاعلات معقدة تتجاوز حسابات القوة العسكرية المباشرة. نتنياهو أراد شرقا أوسطا على مقاسه، لكنه يجد نفسه اليوم أمام إقليم يعيد تشكيله بطرق لا تخضع لرغباته، بل لحقائق أكثر صلابة وتعقيدا.