
لم تجتمع جماهير حركة فتح قبيل انتخابات عام 2006 لتقرر، في ختام اجتماعها، خسارة الانتخابات. ولم يجتمع مليوني ونصف المليون فلسطيني في ساحة غزة وطلبوا من سلطتهم الوطنية السقوط خلال ثلاثة أيام. كما لم يجتمع الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات ليقرروا ترك أهل غزة يواجهون مصيرهم ثمانية عشر عامًا دون إرادة حقيقية لاستعادتها، ولم يقرر التخلي عن بناء اقتصاد وطني قادر على مواجهة ما نعيشه اليوم.
في كل مرة، لم يكن القرار قرار جماهير، بل قرار قيادة، وأداء قيادة بمستويات متعددة، تتحمل مسؤولية ما نتج عنه.
من هنا، تصبح المراجعة ضرورة وطنية وتنظيمية؛ مراجعة عميقة لمسار ثلاثين عامًا من الأداء السياسي والأمني والاقتصادي، تبحث في الأسباب لا في التبريرات، وتواجه الأسئلة بدل الهروب منها، أو الاحتماء كل مرة بكبش فداء تُحمَّل له الأخطاء والخطايا
بعد كل ما جرى، لا يمكن التعامل مع المؤتمر الثامن وكأنه إجراء تنظيمي عادي، في لحظة تتسم بصراع وجودي غير مسبوق في حدته وتعقيداته.
وإذا كان المؤتمر وسيلة للنهوض بالحركة، لا غاية بحد ذاته، فإن أول ما يجب التفكير فيه هو توسيع قاعدة المشاركة.
خصوصًا مع الطرح بعقده في أكثر من ساحة — غزة، رام الله، عمّان، والقاهرة — وهو ما يفتح الباب أمام مقاربة جديدة لطبيعة التمثيل، تقوم على أوسع مشاركة ممكنة، بحيث تشمل كل من تولّى أو يتولى موقع مسؤولية في تاريخ الحركة، بهدف طرح سؤال مركزي واحد: كيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟
فالحركات السياسية لا تتجدد بالشعارات، بل بإرادة الاعتراف، وشجاعة النقد، والاستعداد للتغيير. والتحدي الحقيقي لا يكمن في عقد المؤتمر، بل في قدرته على إنتاج تحوّل فعلي.
قد يكون المؤتمر الثامن فرصة مهمة لإعادة بناء الثقة، داخل الحركة ومع جمهورها، واستعادة دورها في المشهد الوطني. لكن ذلك مشروط بمدى الاستعداد للتعامل معه كوسيلة للنهوض، لا كإجراء تنظيمي شكلي.
أما إذا جرى الاكتفاء بإعادة إنتاج الأساليب ذاتها، فإن النتائج لن تختلف كثيرًا عما سبق، وستبقى المراجعة المؤجلة عبئًا يتراكم، بدل أن تكون مدخلا حقيقيا للنهوض.