التطرف في المجتمع الإسرائيلي.. الأسباب والعوامل المُفسرة

 

يثير تحوّل وانحدار المجتمع الإسرائيلي نحو التشدد والتطرف والإرهاب اهتمام الباحثين في العلوم السياسية، وعلم الاجتماع، ليس لأنه مرتبط مباشرة بالصراع القائم مع العرب الفلسطينيين فحسب، بل لأنه يكشف عن كيفية تفاعل المجتمعات مع ظروف الصراع الطويل، وغياب حالة الأمن والاستقرار. ومن هنا لا يمكن فهم هذا التحول باعتباره ظاهرة طارئة، بل هو نتيجة تراكمات تاريخية وهيكلية، تتقاطع فيها العوامل الأمنية مع التحولات الاجتماعية والديموغرافية والسياسية...إلخ، لتفرز واقعاً ينحدر بشكل متزايد ومتسارع نحو التشدد والتطرف والإرهاب (للاضطلاع: إبراهيم عبيد، التطرف في الحياة السياسية الاسرائيلية، المستقبل العربي، مج 40، ع 462، 2017).

وفي هذا الصدد، يشكّل العامل الأمني حجر الزاوية في تفسير هذا الاتجاه. فمنذ نشأة دولة الاحتلال الإسرائيلي، سيطر الشعور بالتهديد على الوعي الجمعي الإسرائيلي، لكنه ازداد تعمقاً وتراكماً بفعل استمرار وتجدد الحروب والانتفاضات والعمليات المسلحة والفدائية. هذا الإحساس المستمر بانعدام عنصر الأمن والأمان أسهم بشكل عميق في ترسيخ ما يمكن تسميته بـ“عقلية الحصار” الناتجة عن التوجس والخوف من الآخر، حيث يُنظر إلى المحيط الفلسطيني والعربي باعتباره مصدر خطر دائم. وفي ضوء هذا الإحساس- الذي يطغى على السواد الأعظم من المجتمع الإسرائيلي-، يصبح التوجه إلى اتباع سياسات أمنية صارمة أمراً واقعاً يتمخض عنه هاجس من الخوف والقلق المستمرين، ليتحول إلى جزء من سيكولوجية المجتمع (نفسياً واجتماعياً). ومع مرور الوقت، يتحول هذا الخوف ويصبح جزءاً من الثقافة السياسية، ويُعاد إنتاجه وتعزيزه عبر المؤسسات التعليمية والإعلامية والخطاب السياسي التحريضي الذي لا يؤمن بغير اليهودي.

وتلعب التحولات التاريخية دوراً مفصلياً في إعادة تشكيل التوجهات الفكرية داخل المجتمع الإسرائيلي. فعلى سبيل المثال، شكّلت حرب حزيران/يونيو 1967م نقطة تحول مهمة وحاسمة بفعل ما أحدثته من تغييرات عميقة في التصورات الأيديولوجية والسيكولوجية الإسرائيلية. حيث عززت هذه الحرب صعود التيارات القومية والدينية التي رأت في السيطرة على الأراضي بعداً تاريخياً ودينياً يتماشى مع الفكر الصهيوني القائم على الترانسفير، والرغبة في اقتلاع الفلسطيني من أرضه كجزء من ترسيخ مشروع الاستيطان الإحلالي باعتباره خياراً استراتيجياً لاستمرار هذا الكيان. وبالتالي، تحوّل هذا المشروع إلى عنصر مركزي في هوية جزء مهم من المجتمع، الأمر الذي دفع باتجاه تبني مواقف أكثر تشدداً وعدوانيةً تجاه أي تسوية سياسية محتملة.

كما ساهمت التحولات الديموغرافية في تغيير موازين القوى داخل المجتمع. فقد شهدت إسرائيل نمواً ملحوظاً في أعداد الجماعات الدينية، إلى جانب موجات هجرة حملت معها توجهات أكثر تطرفاً وتشدداً، كموجات الهجرة الروسية 1989–1999م. مع تبني هذه الفئات أفكاراً ورؤى متشددة تتعلق بالهوية القومية والدينية، ترفض تقديم تنازلات سياسية. ومع تزايد وزنها الانتخابي (حزب إسرائيل بيتنا بقيادة أفيغدور ليبرمان نموذجاً)، أصبح تأثيرها في الحياة السياسية أكثر وضوحاً، ما انعكس على طبيعة الحكومات المتعاقبة وعلى السياسات المتطرفة التي تتبناها.

كما أسهمت أزمة اليسار الإسرائيلي التي تُعد من العوامل المساهمة بقوة في تحول المشهد السياسي داخل إسرائيل. فقد تراجع تأثير هذا التيار بعد فشله في تحقيق تقدم في عملية السلام مع الفلسطينيين، وتزايد عدم ثقة الجمهور ببرنامجه السياسي. كما أدت الإخفاقات المتكررة في المفاوضات إلى إضعاف مكانته لصالح التيارات اليمينية المتطرفة. ونتيجة لذلك، توسع نفوذ اليمين الإسرائيلي المتشدد الذي ركّز على الخطاب الأمني المنغلق. كل ذلك ساهم في تعميق هذا الاتجاه. فبعد أن كان اليسار لاعباً رئيسياً في رسم السياسات حتى عام 1977م، وخلال فترات المفاوضات اللاحقة (بداية من كامب ديفيد حتى أوسلو)، تراجعت مكانته نتيجة الإخفاقات السياسية وتراجع ثقة الجمهور بقدرته على تحقيق السلام. وقد أدى ذلك إلى فراغ سياسي استغلته التيارات اليمينية لتعزيز حضورها، مستفيدة من الخطاب الذي يربط بين الأمن والتشدد. وهكذا، لم يكن صعود اليمين نتيجة قوته الذاتية فقط، بل أيضاً نتيجة ضعف البدائل السياسية الأخرى وتراجع قوة اليسار والوسط الإسرائيلي.

يُضاف إلى هذه الاعتبارات العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي لعبت دوراً مكملاً في هذا التحول. فالتفاوتات الاقتصادية، والشعور بالتهميش لدى بعض الفئات، جعلا الخطابات التحريضية أكثر تأثيراً، لأنها تربط بين الهوية والأمن والاقتصاد، ما يعزز من جاذبيتها لدى شرائح واسعة من المجتمع الإسرائيلي. وبالتالي، يتحول التطرف والتشدد إلى حالة من القلق الاجتماعي أكثر منه تعبيراً عن موقف سياسي، حيث يجد بعض الأفراد في الخطاب المتشدد وسيلة للتعبير عن مخاوفهم وطموحاتهم في الوقت نفسه.

وعلى الرغم من أهمية العوامل المذكورة، فإنه يصعب اختزال المجتمع الإسرائيلي في صورة واحدة متجانسة، فهو إثني في تركيبته. فهناك تيارات تدعو إلى التسوية والسلام، وهناك تيارات تدعو لاستمرار الاستيطان واقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، ناهيك عن حالة الاستقطاب الداخلي التي تعكس وجود صراع مستمر حول هوية الدولة ومستقبلها. وهذا يعني أن الاتجاه نحو التطرف هو حالة ديناميكية قابلة للتغير تبعاً للظروف.

في ضوء ما تم طرحه، يمكن القول إن اتجاه المجتمع الإسرائيلي نحو التطرف هو نتاج تفاعل عميق بين عوامل متعددة، تتداخل فيها اعتبارات الأمن مع التاريخ والديموغرافيا والسياسة والاقتصاد. وبالتالي، فإن فهم هذه الظاهرة يتطلب الابتعاد عن التفسيرات الأحادية، والنظر إليها ضمن سياقها الأوسع، باعتبارها تعبيراً عن واقع متشابك يعكس طبيعة المجتمع نفسه وتحدياته المستمرة.

 

 

 

كلمات مفتاحية::
Loading...