
يُشكل الخطاب السياسي عادةً في حقل العلاقات الدولية أداةً مركزيةً في إدارة الصورة العامة للقادة وصياغة الانطباعات لدى الجمهور، فدوره لا يقتصر على نقل المعلومات فحسب، بل يتخطاه لتشكيل فهم جماعي واستراتيجيات التأييد.
نحاول في هذه المقالة تسليط الضوء على سردية الانتصار في خطاب رئيس وزراء دولة الكيان الصهيوني "بنيامين نتنياهو" كأحد أكثر الشخصيات السياسية الإسرائيلية استخدامًا لها باعتبارها وسيلةً لتكريس صورته كقائد حاسم وفاعل في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية، وللتغطية أيضاً على ملفات الفساد التي تلاحقه منذ سنواتٍ عدة. وذلك من خلال المحاور التالية:
أولاً- الخطاب السياسي وإعادة إنتاج الواقع:
في سياقات الصراعات الممتدة والمتواصلة، لا يقتصر دور القائد على إدارة العمليات العسكرية، بل يمتد إلى بناء سرديات قادرة على إعادة تشكيل إدراك الجمهور للواقع. فالقادة السياسيون في أوقات الأزمات والحروب يواجهون تحديًا مزدوجًا، يتمثل في الحاجة إلى تحقيق أهداف استراتيجية على الأرض. وكذلك، الحاجة إلى تثبيت شرعيتهم داخليًا من خلال خطاب قادر على إدارة التوقعات الجماهيرية.
وفي هذا الإطار، تبرز تصريحات رئيس وزراء الكيان "بنيامين نتنياهو" حول تحقيق "انتصار" على حركة حماس في قطاع غزة، وحزب الله في لبنان، وإيران كنموذج واضح على استخدام اللغة السياسية ليس فقط لوصف الأحداث، بل لصياغة فهم جماعي محدد للواقع، ومحاولة إقناع الجمهور بأن الدولة تحقق حسمًا وانتصاراً في مواجهة أعداءها.
باعتقادي أن هذا التوظيف يعكس إدراك نتنياهو لأهمية السيطرة على سردية الصراع. فالخطاب السياسي في هذه الحالات يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الواقع الاجتماعي والسياسي، من خلال تقديم صورة متماسكة وموحدة عن القدرات والنتائج، حتى عندما تكون المؤشرات الميدانية أكثر تعقيدًا. وبذلك، يصبح الخطاب جزءًا من منظومة الحرب، ليس على الأرض فحسب، بل في وعي الجمهور المحلي والدولي، وهو ما يمنح القائد قدرة مزدوجة، مثل: القدرة على التأثير في الميدان السياسي، والقدرة على التأثير في الرأي العام الداخلي والخارجي. وهو ما يعتقد نتنياهو أنه نجح في توظيفها.
ثانياً- إعادة تعريف الانتصار ومرونته المفاهيمية:
يتضح من خطاب "بنيامين نتنياهو" أن مفهوم “"الانتصار" ليس ثابتًا أو محددًا بمعايير واضحة، بل يتم توظيفه بمرونة لتعظيم أثر الإنجازات الجزئية في الميدان. ففي الحروب غير المتكافئة التي تتضمن فواعل غير دولية: كحركة حماس في غزة، وحزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن تصبح إمكانية القضاء النهائي عليهم كأعداء شبه مستحيلة، وهو ما يتيح إعادة تعريف الانتصار بما يتناسب مع النتائج المحققة في الميدان.
هذا التغيير المفاهيمي يسمح في مثل هذه المواضع بتحويل الإنجازات التكتيكية المحدودة إلى مؤشرات استراتيجية، وإعادة صياغة التقدم الجزئي على أنه دليل على التفوق العام. وبالتالي، فإن "الانتصار" في خطاب نتنياهو لا يقتصر على مجرد وصف للواقع، بل يصبح أداة لإدارة الإدراك السياسي. هذا الاستخدام الاستراتيجي للغة- حسب استراتيجية نتنياهو للاستمرار في الحكم- يُمكّنه من تعزيز صورته القيادية داخليًا، وتقديم نفسه كضامن لاستقرار الدولة وأمنها، حتى في غياب حسم شامل على الأرض. وهذا ما بات ظاهراً وواضحاً في الميدان، فلا حسم، ولا انتصار.
ثالثاً- الفجوة بين الخطاب والواقع الميداني:
رغم القوة البلاغية للخطاب، تشير المعطيات الواقعية إلى وجود فجوة كبيرة- وتزداد توسعاً- بين التصريحات والواقع الفعلي. فحماس في غزة لا تزال قادرة على إعادة تنظيم صفوفها والحفاظ على وجودها، بما يعكس طبيعة الفواعل غير الدولية التي يمكنها التكيف والتأقلم مع أي واقع. وكذلك، فإن حزب الله في لبنان لا يزال فاعلًا ضمن معادلة الردع المتبادل، الأمر الذي يجعل أي حديث عن القضاء النهائي عليه غير واقعي رغم الضربات المؤلمة التي أصابته. أما الدور الإقليمي لإيران كدولة مؤثرة، فلا يزال قائمًا وفاعلًا بقوة، سواء من خلال دعم الحلفاء والفواعل من غير الدول، أو عبر استغلال النفوذ السياسي والاقتصادي في المنطقة، كالسيرة على الممرات البحرية وغيرها.
في إطار هذه المقاربة، وما يتمخض عنها من حقائق استراتيجية، يقول رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق "غادي آيزنكوت" عن خدعة الانتصار والحسم: "نتنياهو هو المسؤول عن فشل 7 أكتوبر، وأخفق في تحقيق أهداف الحرب على مدى 30 شهراً ... نتنياهو يحاول مجدداً أن يبيع لنا خدعة الانتصار والحسم”. وفيما يتعلق بلبنان، فقد اعترف رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق "عاموس مالكا" قائلاً: "أن الجيش الإسرائيلي لا يمكنه إزالة تهديد صواريخ حزب اللـه بالقتال حتى نفادها، لأن حزب اللـه لديه القدرة على إطلاق 100 صاروخ يومياً لأشهر طويلة وربما لسنوات ... لذلك يحتاج الأمر إلى تسوية" وفق اعترافه. صحيفة "يسرائيل هيوم اليمينية" الداعمة لنتنياهو تقول: "إسرائيل لم تنتصر على حزب الله بعد وأنّ الأمر لم ينتهِ". وهذا ما أكده المستشار الاستراتيجي "باراك ساري" للقناة 12 الإسرائيلية، بالقول: "حزب الله يتجه نحو حرب استنزاف لوقت طويل جداً وأنّ إسرائيل أقل قدرة على الحرب من حزب الله، لأنها تطمع للعودة إلى الوضع الطبيعي وترميم الاقتصاد والمجتمع". أما فيما يتعلق بإيران، فإن التقييمات الإسرائيلية تُظهر أن الحرب على إيران لم تحقق نصراً استراتيجياً، رغم المكاسب التكتيكية التي تحقّقت ميدانياً. ومع ذلك تتزايد الشكوك داخل النخبة الإسرائيلية بأن الحسم بعيد المنال في ظل صمود إيران واستمرار قدرتها على التأثير.
بتصوري، أن الفجوة بين الخطاب الإعلامي والواقع الميداني تبرز أن سردية الانتصار في خطاب نتنياهو تحمل بعدًا رمزيًا أكثر من كونها تعبيرًا عن حقيقة استراتيجية. فالإعلان عن النصر يهدف إلى تعزيز الثقة الداخلية، وإقناع الجمهور بأن الدولة تسير على طريق الحسم، بينما الواقع الميداني لا يتيح تحقيق هذه الصورة المثالية. كما أن هذه الفجوة تجعل الجمهور، خاصة الفئات الأكثر اطلاعًا، أكثر قدرة على نقد الخطاب وفهم محدودية الانتصار المعلن.
رابعاً- الوظائف السياسية للخطاب ونتائجها المحتملة:
يمكن فهم خطاب نتنياهو كأداة سياسية ذات بعد مزدوج. داخليًا وخارجياً، فعلى المستوى الداخلي يعمل نتنياهو على تعزيز الشرعية وتقليل الضغوط الشعبية، من خلال تقديم صورة قيادية قوية قادرة على مواجهة التهديدات. لذلك، يستخدم الانتصار المعلن كوسيلة لطمأنة الجمهور وإنتاج شعور بالاستقرار والأمان، حتى في ظل أزمات معقدة ومستمرة. أما على المستوى الخارجي، فهو يسعى عبر هذا الخطاب إلى إرسال رسائل ردعية للأعداء، سواء في غزة أو لبنان أو إيران، في محاولة للتأثير في تقديراتهم الاستراتيجية، وإجبارهم على إعادة حساباتهم حول المواجهة.
مع ذلك، فإن الإفراط والمبالغة في استخدام لغة الانتصار يحمل مخاطر واضحة. فاستمرار الفجوة بين الخطاب والواقع قد يؤدي إلى تآكل المصداقية تدريجيًا- وهو بالفعل ما بات واضحا سواء على مستوى الجمهور أو المعارضة- ليس فقط داخليًا، بل على المستوى الدولي أيضًا. إذ إن الجماهير ووسائل الإعلام والمراقبين الدوليين قادرون على مقارنة الخطاب بالحقائق الميدانية، وبالتالي، فإن أي تضليل مبالغ فيه يمكن أن ينعكس سلبًا على صورة القائد وقراراته المستقبلية.
في الختام، اعتقد أن تحليل خطاب بنيامين نتنياهو يكشف أن سردية الانتصار لديه تعتمد على مرونة المفاهيم، واختيار الوقائع بعناية، وتضخيم الإنجازات الجزئية، لتقديم صورة حاسمة للداخل والخارج. ومع ذلك، يظل استمرار فاعلية حماس وحزب الله، إلى جانب الدور الإقليمي المتواصل لإيران، مؤشراً على أن الصراع ما زال مفتوحًا، وربما في بدايته، وأنه مهيأ لاحتمالات متعددة. وهكذا، تبقى سردية النصر النهائي أداة سياسية أكثر من كونها حقيقة استراتيجية مكتملة، وهو ما يستدعي قراءة نقدية متأنية لفهم وظيفة الخطاب وأثره على المجتمع والدولة في آن واحد.