
في المؤتمرات الأولى لحركة فتح، كان الوصول إلى القيادة يشبه الذهاب إلى الجبهة.
العضوية في المجلس الثوري أو اللجنة المركزية لم تكن وظيفة، بل أقرب إلى حكمٍ بالمطاردة أو السجن أو الاغتيال. كان الاسم التنظيمي أهم من الاسم الحقيقي، وكانت صورة الفدائي في المخيمات والجبال والمعتقلات هي الطريق الطبيعي إلى الشرعية القيادية.
اليوم، يبدو المشهد مختلفًا إلى حد الصدمة.
مئة مرشح تقريبًا للجنة المركزية، وثمانمائة للمجلس الثوري، في وقت تعيش فيه الحركة واحدة من أعقد أزماتها السياسية والتنظيمية والتاريخية. هذا التضخم العددي لا يعكس فقط حيوية تنظيمية أو رغبة بالمشاركة، بل يكشف تحوّلًا عميقًا في طبيعة الوعي السياسي والاجتماعي داخل الحركة الفلسطينية نفسها.
السؤال لم يعد: كيف نخوض مشروع التحرر؟
بل: كيف نصل إلى الموقع؟
لقد انتقل جزء كبير من الثقافة السياسية الفلسطينية، بهدوء وتدريج، من ثقافة “الفدائي” إلى ثقافة “الموظف السياسي”.
الفدائي كان يرى التنظيم أداة للتحرير، أما الموظف السياسي فيرى التنظيم أداة للترقي الاجتماعي والاقتصادي والرمزي. الفدائي كان يغامر بحياته ليصعد، بينما يسعى كثيرون اليوم للصعود كي يضمنوا حياة أفضل.
هذه ليست إدانة أخلاقية لأشخاص بعينهم بقدر ما هي توصيف لتحول بنيوي كامل أصاب الحركة الوطنية الفلسطينية منذ قيام السلطة الفلسطينية، ثم تعمق بعد تراجع المشروع الوطني وانسداد الأفق السياسي.
فالسلطة لم تنتج فقط طبقة بيروقراطية، بل أعادت تعريف معنى السياسة نفسها.
أصبح الموقع التنظيمي مرتبطًا بالنفوذ الإداري، والامتيازات، والراتب، والسفر، والحصانة الاجتماعية، والعلاقات الاقتصادية، أكثر من ارتباطه بالفعل النضالي أو الرؤية الفكرية أو القدرة القيادية.
وهنا تكمن المفارقة القاسية:
كلما تراجع المشروع الوطني، ارتفعت شهية التنافس على المواقع داخله.
في زمن الثورة، كان الانضمام للقيادة يعني الاقتراب من الخطر.
أما في زمن السلطة، فأصبح يعني الاقتراب من الامتياز.
هذه الظاهرة ليست فلسطينية خالصة. معظم حركات التحرر عندما تتحول إلى سلطة تتغير بنيتها النفسية والاجتماعية. تتحول الثورة تدريجيًا من “حالة تضحية” إلى “نظام مصالح”. لكن خصوصية الحالة الفلسطينية أن هذا التحول حدث بينما المشروع الوطني نفسه بقي ناقص السيادة، وتحت الاحتلال، وفي ظل انسداد تاريخي كامل.
وهذا ما يجعل المشهد أكثر مأساوية.
فتح التي كانت تُنتج الكوادر عبر التجربة النضالية، أصبحت في كثير من الأحيان تُنتجها عبر الشبكات والعلاقات والقدرة على التموضع داخل البيروقراطية التنظيمية. لم يعد السؤال من ضحّى أكثر، بل من يملك تحالفات أكثر. لم يعد التاريخ النضالي وحده معيارًا كافيًا، بل القدرة على إدارة التوازنات، وصناعة الحضور الإعلامي، وبناء الكتل الداخلية.
بل إن وسائل التواصل الاجتماعي نفسها ساهمت في هذا التحول، حيث صار بعض المرشحين يخوضون معاركهم بعقلية “العلامة الشخصية” أكثر من عقلية المناضل أو القائد السياسي. وكأن التنظيم يتحول تدريجيًا من حركة تحرر إلى فضاء تنافس على الرمزية والمكانة الاجتماعية.
هنا يمكن استحضار ما كتبه الفيلسوف الفرنسي غي ديبور في كتابه مجتمع الفرجة حين تحدث عن تحوّل الواقع إلى استعراض، حيث تصبح الصورة أهم من الفعل، والحضور أهم من الجوهر. وفي السياق الفلسطيني، يبدو أحيانًا أن بعض المعارك التنظيمية لم تعد تدور حول المشروع الوطني بقدر ما تدور حول الظهور داخل المشهد السياسي نفسه.
لكن الأخطر من كل ذلك ليس كثرة المرشحين، بل غياب السؤال الفكري الكبير:
ما هو مشروع فتح اليوم أصلًا؟
كيف يمكن لحركة نشأت لتحرير فلسطين أن تعيد تعريف نفسها بعد كل هذه التحولات؟
ما معنى الكفاح الوطني في زمن الذكاء الاصطناعي، والمنصات الرقمية، والتحولات الإقليمية، وصعود الهويات الفرعية، وانهيار النموذج العربي التقليدي؟
أين النقاش الفكري الحقيقي داخل الحركة؟
وأين الصراع بين الرؤى والبرامج، بدل الصراع على المقاعد؟
المؤلم أن كثيرًا من النقاشات الداخلية تبدو وكأنها تدور داخل مؤسسة تبحث عن إعادة توزيع النفوذ، لا داخل حركة تحرر تواجه أخطر مرحلة في تاريخ القضية الفلسطينية.
ورغم ذلك، يبقى الظلم كبيرًا إذا جرى تعميم الصورة بالكامل. فما زالت داخل فتح كوادر نظيفة ومخلصة وذات تاريخ نضالي حقيقي، وما زال هناك من يرى في الحركة إطارًا وطنيًا لا مجرد سلّم شخصي. لكن هؤلاء أنفسهم يدركون أن الحركة تواجه اليوم معركة هوية ومعنى، لا مجرد انتخابات داخلية.
المشكلة الحقيقية ليست في وجود مئة مرشح للمركزية أو ثمانمائة للثوري.
المشكلة أن الفلسطيني نفسه تغيّر تحت ضغط الهزائم الطويلة، والسلطة، والاقتصاد، والاحتلال، والتحولات الاجتماعية.
فالإنسان الذي عاش عقودًا بلا أفق سياسي، وتحت ضغط معيشي هائل، بدأ يرى في “الموقع” وسيلة نجاة فردية، بعدما تراجع الإيمان بإمكانية الإنجاز الجماعي الكبير.
وهكذا، يتحول التنظيم بالتدريج من فكرة تحرر إلى إطار للترقي الاجتماعي.
ويتحول المنصب من تكليف نضالي إلى فرصة شخصية.
ويتحول السؤال من “كيف نحرر الوطن؟” إلى “كيف نحجز مكانًا داخل النظام القائم؟”.
وهنا تكمن الأزمة الحقيقية التي تواجه فتح… وربما الحركة الوطنية الفلسطينية كلها.