لبنان بين المبادرات السعودية والإيرانية

 

 

 

تميزت المرحلة الممتدة بين اندلاع الحرب في لبنان وانعقاد "مؤتمر جنيف" عام 1983، بزخمٍ لافت في المبادرات العربية والدولية الرامية لوقف النزاع. فبينما طرح كل من الفاتيكان وفرنسا مبادرات منفردة، برزت المملكة العربية السعودية كأهم القوى العربية الساعية لتقريب وجهات النظر بين الأفرقاء اللبنانيين ووضع الحلول للأزمة، وذلك توازياً مع تحركات الدبلوماسية الأمريكية والمواقف السوفيتية آنذاك.

وقد انطلقت المملكة العربية السعودية في سياستها تجاه لبنان من ثوابت راسخة، أبرزها:

الحفاظ على الوحدة الوطنية: وصون سلامة لبنان واستقراره وسيادته.
حتمية الإصلاح: واعتباره شأناً يتوافق عليه اللبنانيون عبر الحوار الداخلي بعيداً عن التدخلات الخارجية.
رفض التدويل: والتأكيد على "تعريب" الأزمة اللبنانية وحلها ضمن الحضن العربي.

وبناءً على ما تقدم، يمكن تقسيم الدبلوماسية السعودية على الساحة اللبنانية بين عامي 1975 و1989 إلى ثلاث مراحل أساسية:

دبلوماسية ما قبل عام 1982: حيث انصبّ اهتمام المملكة على دعم الشرعية اللبنانية ووحدة البلاد (أرضاً وشعباً ومؤسسات)، وتقديم المساعدات الاقتصادية والإنسانية، مع السعي الحثيث لمنع التقسيم لما يحمله من تداعيات كارثية.
دبلوماسية ما بعد الاجتياح الإسرائيلي (1982): في ظل تصاعد الأصولية وتنامي نفوذ الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ كثفت السعودية مبادراتها السلمية للتوفيق بين اللبنانيين، فكانت المحرك الأساسي لحوارات "جنيف" و"لوزان".
دبلوماسية "اتفاق الطائف" (1989): حين نجحت مبادرتها في إنهاء الحرب الأهلية. وقد استكملت المملكة دورها بدعم الرئيس رفيق الحريري، الذي كان قد لعب – عبر المبادرات السعودية مطلع الثمانينيات – دوراً محورياً في تقريب وجهات النظر بين الأطراف اللبنانية المتصارعة.

ماذا عن المبادرات الإيرانية تجاه لبنان؟

إن المبادرات الإيرانية في لبنان، منذ قيام الجمهورية الإسلامية وحتى يومنا هذا (وبالتأكيد غداً أيضاً)، تتجاوز حدود "التلخيص" التقليدي. ولكن، وفي إطار المقارنة التاريخية منذ عام 1980، لا بد من رصد المحطات الأساسية لهذا الدور:

التغلغل العسكري: إرسال الحرس الثوري الإيراني إلى منطقة بعلبك.
تأسيس الأذرع: العمل على دمج مجموعات شيعية متطرفة لإنشاء "حزب الله".
إقصاء القوى الوطنية: المساعدة على إنهاء جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول) وإحلال "حزب الله" مكانها كقوة وحيدة.
تغذية الصراعات الداخلية: خلق الشرخ الذي أدى إلى "حرب الإخوة" الدامية بين حزب الله وحركة أمل.
ضرب مشروع الدولة: اغتيال حلم قيامة لبنان باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
الأزمات والحروب: انطلاقاً من حرب تموز 2006، وصولاً إلى حرب "الإسناد" وحرب "الثأر للإمام الخامنئي".
تقويض السلطة: الإجهاز على ما تبقى من هيبة الدولة اللبنانية في أحداث 7 أيار 2008.

في الخلاصة: بينما كانت السعودية "تدعو" الأطراف السياسية للحوار، كانت سوريا وإيران "تستدعي" الأطراف لتنفيذ الأجندات. لقد مارست إيران وسوريا (في عهد الأسدين) شتى أنواع الإذلال والتبعية بحق رؤساء ووزراء ونواب، بينما احترمت السعودية الجميع واستمعت إلى كافة الأطياف السياسية، باستثناء الخارجين على منطق الدولة.

إن اللائحة تطول، وكما ذكرت؛ بما أن "التلخيص" مستعصٍ.. فهل "التخليص" ممكن؟

أما في المشهد المعاصر، وتحديداً منذ عام 2005، فقد فرضت إيران سطوتها من خلال تسمية رؤساء الحكومات وتعيين الوزراء والتدخل في أدق تفاصيل التشكيلات الوزارية. وفي المقابل، كان أقصى ما ترجوه السعودية هو "عدم التدخل في شؤونها"، ولكن لم يتحقق لها ما أرادت وتمنت.

إن اللائحة تطول، وكما أشرتُ سابقاً فإن المبادرات الإيرانية وتداخلاتها لا يمكن تلخيصها، وبما أن "التلخيص" مستعصٍ.. فهل "التخليص" ممكن؟؟

:

 

كلمات مفتاحية::
Loading...