مقالات مختارة

الفن المستقل والمقاومة الرقمية | حمزة أبو عياش

عندما تصبح "الخوارزمية" خط مواجهة... من الملصق الثوري إلى "الاشتباك الرقمي"

 

 

لم يكن الفن الفلسطيني يوماً ترفاً جمالياً أو محاولة لملء فراغ الجدران البيضاء في قاعات العرض البرجوازية؛ بل ولد كفعل اشتباك وجودي مباشر مع الاستعمار. من الملصق السياسي الثوري في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، إلى رسومات الكاريكاتير التي صاغت وعي الانتفاضة الأولى، كان البصري دائماً يسبق ويوجه الوعي الجمعي.

​اليوم، يجد الجيل الجديد من الفنانين المستقلين أنفسهم أمام امتداد طبيعي لهذا الإرث، ولكن بأدوات مغايرة وسياق أعقد. الفن المستقل الفلسطيني في العصر الرقمي ليس مجرد "تعبير عن الذات"، بل هو أداة مواجهة واعية متحررة من شرطين أساسيين خنقا الحراك الثقافي لسنوات: تمويل المؤسسات والمنظمات غير الحكومية (NGOs) المشروط بـ "أنسنة" الضحية وتجريدها من حقها في المقاومة، وأجندات النخب الثقافية التقليدية. هذا التحرر هو الذي يمنح الفن المستقل اليوم حافته الحادة، ليتحول من مجرد "رد فعل" نخبوي إلى فعل مقاومة يومي، مرن، ومتاح للجميع على خطوط المواجهة الافتراضية.

 

​سياسة البكسل: منصات التواصل كساحات تصفية رقمية

 

​تسوّق كبرى شركات التكنولوجيا في وادي السيليكون لمنصاتها الرقمية (مثل "ميتا" وغيرها) باعتبارها مساحات ديمقراطية ومحايدة للتعبير العالمي. الحقيقة البشعة واليومية هي العكس تماماً؛ هذه الفضاءات هي ساحات معركة خاضعة لرقابة سياسية صارمة وهندسة اجتماعية ممنهجة تستهدف تغييب الرواية الفلسطينية وتشويهها.

​عبر أدوات تقنية معقدة تبدأ من "حظر الظل" (Shadowbanning)، وتمر بحظر الكلمات المفتاحية، وتصل إلى الإغلاق الفوري للحسابات، تمارس الخوارزمية دور "الرقيب العسكري" الحديث. هنا، لم يعد التحدي أمام الفنان الفلسطيني يكمن فقط في إنتاج المعنى، بل في كيفية إيصاله أصلاً

أمام هذا الحصار الرقمي الممنهج، لم يعد الفنان الفلسطيني مجرد صانع صورة، بل تحول إلى "قرصان بصري" يشتبك مع النظام الخوارزمي ويخترق جدران رقابته عبر استراتيجيات بصرية هجينة وذكية. لقد أعاد الفنانون هندسة الحرف العربي وتفكيكه، مدمجين إياه أحياناً بحروف لاتينية أو بتشويهات مقصودة تقرأها العين البشرية بسلاسة وتفشل خوارزميات الرقابة في تصنيفها أو التقاطها. وفي ذات الوقت، جُرِّدت الرموز التقليدية والفلكلورية كالبطيخ، والصبار، وأنماط التطريز، من سياقها المتحفي البارد، لتُعاد صياغتها رقمياً كشفرات بصرية قادرة على العبور والانتشار دون إثارة رادارات الحظر. هذا الذكاء التقني يمتد أيضاً إلى دمج النصوص والبيانات السياسية الساخنة داخل التكوينات الغرافيكية المعقدة، ما يحرم الذكاء الاصطناعي للمنصات من القدرة على مسحها أو قراءتها كمحتوى "مخالف". إن المقاومة بالبكسل هنا ليست مجرد تحايل تقني بائس، بل هي إعلان صريح بأن الوعي البصري الفلسطيني قادر على تفكيك التكنولوجيا الاستعمارية وإعادة توظيفها في عقر دارها.

 

ترسانة المستقلين: من "الميم" الساخر إلى هندسة الذاكرة الرقمية

 

​لا تقف أدوات الفنان المستقل عند حدود المحاكاة البصرية التقليدية، بل تمتد لتصنع ترسانة من وسائل التعبير سريعة العطب والانتشار، قادرة على نسف سرديات البروباغندا المؤسساتية الضخمة في ثوانٍ. في هذا السياق، تحولت "الميمز" (Memes) والرسومات الرقمية الساخرة من مجرد أدوات ترفيه رقمي إلى سلاح اشتباك سياسي وإعلامي بالغ الأثر. إن قوة هذه الأدوات تكمن في خفتها وسرعة إنتاجها وتداولها، حيث تلتقط المفارقات البشعة للاحتلال والازدواجية الدولية، وتحولها إلى صدمات بصرية مكثفة تفكك الخطاب الاستعماري وتهزأ من فكرة تفوقه. هذه السخرية الرقمية ليست هروباً من المأساة، بل هي أداة لكسر هيبة الجلاد وسلب قدرته على فرض روايته.

​بالتوازي مع هذه السيولة البصرية، تبرز "الأرشفة الرقمية" كفعل صمود واعٍ ضد المحو الممنهج. إن المحتوى الفلسطيني على شبكات التواصل محكوم بالفناء والمسح بقرار من الخوارزمية، وهنا يأتي دور الفنان المستقل كحارس للذاكرة. يقوم الفنانون بإعادة صياغة صور الضحايا، وتوثيق اللحظات اليومية الساخنة، وتحويل البيانات الجافة والمشاهد الإخبارية العابرة إلى جداريات وتكوينات غرافيكية عصية على الحذف والنسيان. هذا التحويل البصري ينقل الحدث من سياق "الخبر العابر" على شريط الأخبار إلى سياق "الوثيقة التاريخية البصرية"، ليصبح الفن هنا أداة لتثبيت الحقيقة وحمايتها من التشويه.

​ولا ينفصل الصوت عن هذه المنظومة؛ فالموسيقى المستقلة، من الهيب هوب الغاضب إلى الموسيقى الإلكترونية التجريبية التي تولد في أزقة حيفا ورام الله وضواحي غزة والشتات، تشكل الوجه الآخر لهذه المقاومة. يعيد الموسيقيون إنتاج الصوت الفلسطيني وتوزيعه والتحايل على منصات البث العالمية لإيصال صرخة الشارع كاملة وبدون فلاتر أو مقصات رقيب. إنها شبكة متكاملة من الصوت والصورة، تصنع فضاءً موازياً يتحرك فيه الفلسطيني بحرية، مشكّلاً جبهة ثقافية موحدة تخترق الحدود الجغرافية والحصار الرقمي لتعلن للعالم أن الرواية الأصلية لا يمكن خنقها.

 

المأزق الداخلي: في مصيدة السلعة ووهم الاستمرارية

 

​إن هذا الزخم البصري النضالي لا يتحرك في فضاء مثالي، بل يصطدم بواقع رأسمالي رقمي شرس يحاول باستمرار احتواء أي حراك جذري وتحويله إلى منتج قابل للاستهلاك. التحدي الأكبر الذي يواجه الفن المستقل اليوم هو خطر "السلعنة" وركوب الموجة؛ حيث تتحول القضية في بعض الأحيان، وتحت مسميات الفن المعاصر والتضامن، إلى "تريند" رقمي يتسابق البعض لتبنيه بهدف تحصيل المكاسب الشخصية، أو حصد التفاعلات، أو حجز مقعد في المعارض والمهرجانات الدولية. هذا النمط من الفن ينزع السلاح الحقيقي من الصورة، ويفرغ المقاومة من مضمونها السياسي والطبقي، ليحولها إلى مجرد جماليات بصرية باردة ومقبولة لدى الممول الغربي، تُرضي ضمير المتلقي دون أن تشكل أي تهديد حقيقي لبنية الاستعمار.

​من جانب آخر، يرزح الفنان الرقمي المستقل تحت وطأة ما يمكن تسميته "الإرهاق الرقمي" واستبداد الخوارزمية. إن المطالبة بإنتاج محتوى بصري مستمر ومواكب للمأساة بشكل يومي يحول الفنان - وعن غير قصد - إلى ترس في آلة إنتاج المحتوى (Content Creation)، حيث يُقاس الأثر بـ "اللايكات" ونسب المشاركة لا بعمق الموقف وأثره على الأرض. الفنان الفلسطيني ليس آلة لتوثيق الموت تحت الطلب، والضغط النفسي والعصبي الناتج عن معايشة المحرقة اليومية ومحاولة صياغتها بصرياً يخلق حالة من الاستنزاف الوجودي. إن الاستمرارية هنا لا تعني الاندفاع الأعمى خلف الـ Trend، بل تعني القدرة على خلق نفس طويل، وبناء مؤسسات وبنى تحتية مستقلة قادرة على حماية الفنان وصون كرامته الفكرية والمادية، بعيداً عن شروط السوق والمنصات الاستعمارية التي يقاتل على أرضها.

​في نهاية المطاف، لا يمكن اختزال الفن الفلسطيني المستقل والمقاومة الرقمية في كونهما مجرد وسيلة لإيصال رسالة أو نقل خبر؛ إنهما بيان وجودي يرفض المحو وإعلان صريح عن بقاء الذات الفلسطينية حية وفاعلة. إن كل بكسل يُعاد ترميزه، وكل حرف يُشوه بذكاء ليعبر جدار الرقابة، وكل لحن يفلت من فلاتر المنصات الاستعمارية، هو مسمار جديد يُدق في نعش الرواية الصهيونية ومحاولاتها المستمرة لتزييف التاريخ والجغرافيا.

​المعركة في الفضاء الرقمي ليست معركة افتراضية معزولة، بل هي امتداد مباشر وضروري للمواجهة على الأرض. ورغم بشاعة الخوارزميات، وشراسة الرقابة، ومصائد السلعنة الرأسمالية التي تحاول احتواء هذا الحراك، فإن الفنان الفلسطيني المستقل أثبت عبر مرونته وقدرته على الابتكار أن الصورة المقاوِمة قادرة دائماً على خلق مساراتها الخاصة. طالما استمرت محاولات طمس الحقيقة، سيظل الفن المستقل يبتكر لغته وأدواته، ليرسخ حقيقة واحدة لا تقبل التأويل: نحن هنا، كنا هنا، وسنظل هنا، والذاكرة البصرية التي تُبنى اليوم هي الحصن الذي لن تتمكن أي خوارزمية من هدمه.

 

 

 

كلمات مفتاحية::
Loading...