.jpg)
وأنا في حرم الجامعة الأميركية في بيروت، أسير مع صديقي وابن شقيقتي —وهو أيضاً أحد خريجي هذه الجامعة— بدأتْ كعادة اللبنانيين جولة الذكريات والمقارنة بين الماضي والحاضر. وبحكم فرق الزمن بين جيلنا وجيلهم، ذكرتُ له الدكتور الراحل يوسف إيبش وقصته الشهيرة مع مطعم "فيصل"؛ ذاك المطعم التاريخي الذي كان مواجهاً للبوابة الرئيسية للجامعة، وكان أشبه ببرلمان مصغر للسياسة والاجتماعات، حتى إنه لم يكن يُعترف بأحد من الناشطين سياسياً ما لم يمرّ أولاً على مطعم "فيصل".
قصة الدكتور التي كان يرويها تحبباً، هي أنه استلم يوماً رسالة من أحد أصدقائه المهاجرين، وحين قرأ العنوان المكتوب على غلافها وجده كالتالي: "تصل ليد الدكتور يوسف إيبش المحترم، العنوان: الجامعة الأميركية — مقابل مطعم فيصل". لقد كان صديق الدكتور يعتبر مطعم فيصل أشهر من الجامعة الأميركية نفسها!!!
وفي الحقيقة، لا مكان في لبنان أشهر من الجامعة الأميركية، ولتسامحنا وزارة السياحة. هذه الجامعة التي تأسست عام 1866 بنظام "الكامبس" (Campus)، وهو نظام أنجلو-ساكسوني مستوحى في عمقه من التراث الفلسفي اليوناني القائم على الشراكة الفكرية بين الأساتذة والطلبة طوال سنوات الدراسة في بوتقة واحدة؛ حيث يجرون إلى جانب المحاضرات حوارات يومية تعمق فلسفة القبول بالأفكار المختلفة، ولا تجعل الخلاف حولها يتحول إلى انقسام وتناحر بين المؤمنين بها والرافضين لها.
وحين انتشر خيار جامعي آخر في الغرب، وهو نظام "المحاضرات الجافة" حيث يلقي الأستاذ كلمته ويمضي، في حضور غير ملزم وكثيراً ما يخلو من الأسئلة، كان هذا الاتجاه مقبولاً وجرى العمل به في الجامعة الأميركية كرافدٍ إضافي، دون أن يشكل يوماً بديلاً للنظام العام.
لقد أدخلت بيروت التعليم العالي الحديث إلى غرب آسيا عبر مؤسستين عريقتين: الجامعة الأميركية منذ عام 1866، وتلتها الجامعة اليسوعية عام 1875، حيث أسس الآباء اليسوعيون جامعة القديس يوسف (اليسوعية).
وخلافاً للعلوم التطبيقية، كانت الاختصاصات المتعلقة بالعلوم الإنسانية تتطلب شرطاً وجودياً لا غنى عنه: نظام سياسي ليبرالي يشجع الأطروحات الفكرية والفلسفية، ويحمي أصحابها.
لكن بعد عام 1975، تهاوى هذا النظام الذي صان حرية التعليم والتفكير بفعل الحرب الأهلية، وانتقل القرار بأعلى الدرجات إلى قوى لا تؤمن بهذه القيم. نتيجة لذلك، انحرف التعليم الجامعي نحو ضفة أخرى قوامها التركيز الحصري على العلوم التقنية؛ حيث لا يتطلب هذا النوع من التعليم أي ليبرالية أو حرية فكر، طالما أن اختصاصات العلوم الطبيعية، والطب، والهندسة، وعلوم الكمبيوتر وباقي التقنيات، تملك القدرة على التعايش والتلائم مع كل الأنظمة.
بالحديث عن الجامعة الأميركية، لا بد لمعرفة ما أحاول الإشارة إليه من استعراض كوكبة من الذين تألقوا في تلك الفترة الذهبية بقسم الإنسانيات؛ حيث نجد شارل مالك، صاحب البصمة الفلسفية والإلهام السياسي الفذ في صياغة "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، إلى جانب مؤلفاته المرجعية في الفلسفة. وقسطنطين زريق، المساهم الرئيسي في تطوير الفكر القومي العربي العقلاني والتحرري. وصادق جلال العظم (أو جلال صادق العظم، كما كان يحب)، أحد أبرز رواد النقد والإصلاح الديني الإسلامي والمؤلف في السياسة والفلسفة. وزين نور الدين زين، أستاذ التاريخ العربي الحديث وواضع الكتب والأبحاث الميدانية الموثقة التي استغرقت سنوات لمراجعة الوثائق في العواصم الأوروبية. وأنيس فريحة، أحد أهم المراجع في السوسيولوجيا اللبنانية والأنثروبولوجيا. وحنا بطاطو، واضع الدراسة الأهم والأشمل تاريخياً واجتماعياً المتعلقة بالعراق، والتي تخرج من مدرستها السياسية عدد كبير من مفكري العراق اليساريين، في حين مال آخرون إلى مدرسة تخالفه الرأي تماماً أسسها عالم الاجتماع الشهير "علي الوردي" (وهو أيضاً من خريجي الجامعة الأميركية في بيروت). وهناك أيضاً وليد الخالدي، المرجع التاريخي الأول لمراحل تطور القضية الفلسطينية.
ولن ننسى سمير ونديم خلف في السوسيولوجيا والاقتصاد، وأسعد رستم ونقولا زيادة في التاريخ، وجبرائيل جبور وانطوان كرم وخليل حاوي في الأدب والشعر العربي، ومن بين هذه الكوكبة اللامعة إيلي سالم وكمال الصليبي —حيث الحديث عنهما وعن إنجازاتهما يحتاج إلى مساحات واسعة— ونجد ضمن هذه الحلقة بكل تأكيد يوسف إيبش ويوسف الخوري وكثيرين غيرهم..
كل هؤلاء كانوا جزءاً من مروحة فكرية واسعة، احتوت مفكرين من كل الأطياف والمذاهب، جمع بينهم إطار جامعي مقدس يحترم حرية الفكر والتعبير.. في وطنٍ سيبقى محل فخر، لكنه انطوى!