ترمب لن يتمرد على إسرائيل

نعيش في عالم يحكمه ترمب عندما يقدم نفسه لرؤساء العالم في قمة السبع "أنا الزعيم" ويدعي أنه صانع عصراً ذهبياً للولايات المتحدة الأمريكية فمن الطبيعي أن لا نفهم ما يحدث!! فوضى في كل العالم وحروب أججها رجل السلام في عالم يفترض أن تكون البشرية عبيداً لإمبراطوريته فثمة حرائق تنتظره وامبراطوريته أشد من الحرائق التي يشعلها في العالم، بات واضحاً أن نتنياهو استدرج ترمب إلى الحرب ضد إيران التي غيرت قواعد اللعبة وكشفت حدود القوة العسكرية الأمريكية وانتهت بهزيمة استراتيجية بالرغم من التفوق العسكري الهائل لأمريكا وإسرائيل، عدم وجود خطة استراتيجية والرهان على القوة أدخل أمريكا في مأزق استراتيجي وكذلك إسرائيل والنظام الإيراني أصبح أكثر قوة، فهل يستشعر ترمب مدى التداعيات الكارثية التي ستحل بالعالم إذا ما مضت إسرائيل بحروبها في الشرق الأوسط؟ فالحكاية فلسطينية بدأت من غزة وستنتهي بغزة والسبب ليس إيران.
بعد أن تم توقيع مذكرة التفاهم بين ترمب وبزشكيان الكترونياً في قصر فيرساي بفرنسا مشروطة بوقف اطلاق النار بين الطرفين في كل الجبهات بما يشمل جبهة لبنان، أصوات ديمقراطية وجمهورية انتقدت هذا الاتفاق وهجوم شرس من داخل الحزب الجمهوري التي تعتبره هزيمة سياسية مهمة لأمريكا فالإنجاز الوحيد الذي حققه ترمب في هذا الاتفاق هو اعادة فتح مضيق هرمز الذي لم يكن مغلقاً قبل الحرب وأحيا فكرة لم تكن موجودة أن مضيق هرمز مضيقاً فارسياً، ورغم هذه الانتقادات ترمب لا يكترث فهو يدير السياسة الخارجية والداخلية بعقلية الديكتاتور همش الكونغرس وحول المؤسساتية السياسية إلى مركزية تتعلق بشخصه فقط، اليوم إيران تهدد بتعلق المفاوضات وتغلق مضيق هرمز من أجل لبنان وتضع أمريكا وإسرائيل في صدام، هدنة متفق عليها بين الطرفين المتصارعين تشمل حلفائهم التزم فيها حزب الله لكن إسرائيل لم تلتزم كعادتها وانتهكت الاتفاق بالاعتداءات على الجنوب اللبناني وشن عشرات الغارات عليه مع توغل بري راح ضحيتها عشرات الشهداء والجرحى واجهت صموداً أسطورياً حاكته المقاومة اللبنانية فكانت خسائرهم كبيرة لتكتب تاريخ جديد للبنان وللمنطقة عموماً.
رغم أن هناك أوساط في داخل إسرائيل تنصح نتنياهو بالانخراط بالمفاوضات مع الدولة اللبنانية لعله يحتفظ بماء وجهه ويجد مخرجاً من المستنقع اللبناني الذي سيؤدي إلى مزيد من الخسائر الباهظة بعد مقتل ضابط برتبة مقدم و13 جندي وربما أكثر، لكنه يهرب إلى الأمام بعد تبدد طموحه بتحقيق النصر المطلق وعليه أن يقلب الطاولة على الجميع ويبعثر الأوراق فأطلق عنان تصريحاته "سوف نبقى في المنطقة الأمنية العازلة ونمارس حرية العمل العسكري" في محاولة لاستغلال ذلك للتصعيد أكثر لعله يلغي الاتفاق مع إيران وأيضاً في لبنان، ليضع إسرائيل أمام أكبر تهديد استراتيجي وأمني تواجهه في الوقت الحالي يتمثل بإمكانية تدهور علاقاتها مع الدول الغربية والادارة الأمريكية، والآن إسرائيل في وضع سيء جداً غير مسبوق في التاريخ ترمب ونائبه دي فانس يحملون إسرائيل المسؤولية كاملة في اختراق البند الأول من مذكرة التفاهم هذا خلق أزمة ثقة بين ادارة ترمب وحكومة نتنياهو وأصبحت إسرائيل عبئ استراتيجي على ترمب الذي يدرك مدى المأزق السياسي والعسكري الإسرائيلي الذي يزداد حدة يوماً بعد يوم فحروبها في المنطقة فاشلة من دون ظهور مؤشرات على نهايتها رغم هول الجرائم والقتل والتدمير، ويبدو إيران وحزب الله نجحوا بتنفيذ خطوة العزل وتفكيك وحدة الساحات بين أمريكا وإسرائيل "بعد أن كان أحد أهداف الحرب تفكيك وحدة ساحات المقاومة وفك الارتباط مع إيران" وفقاً لنبوءة المفكر المصري عبد الوهاب المسيري "لكي تجعل إسرائيل عبئاً على الغرب وأمريكا يجب افشال وظيفتها كشرطي يحمي مصالحهم في المنطقة مقابل ضمان أمنها وضبط الصراع ليتحول إلى استنزاف مستمر ينتهي بزوالها".
تصعيد ورسائل حاسمة ترسلها الادارة الأمريكية لنتنياهو تعكس الضغوط الكبيرة التي يمارسها ترمب على نتنياهو للتوصل إلى صفقة لوقف اطلاق النار ويعتبره ترمب "أمراً بغاية الأهمية وإذا لم تنجز إسرائيل شيء في هذا الملف ستبقى وحدها" هذه مرحلة خطيرة وسابقة في تاريخ الدولة العبرية ومشاعر الاحباط لم تعد خافية لدى إسرائيل فالمظلة الأمريكية لم تعد مضمونة، شهدنا توترات بالعلاقة سابقاً بينهما ولكن مع الادارات الديمقراطية أما الآن فنحن أمام قيادات جمهورية كانت تدعم إسرائيل واليوم تنتقدها دي فانس من المؤيدين للاتفاق مع إيران هاجم إسرائيل التي اعتبرت الاتفاق مذكرة استسلام وحركت الايباك واللوبي الصهيوني في أمريكا وقال "ثلثي الأسلحة التي مولت إسرائيل صنعت بأيادي أمريكية ومولت من دافعي الضرائب الأمريكي" هذا غير معهود مع النظام الأمريكي ومع الجمهوريين تحديداً والخلاف حقيقي ولكن يجب أن لا نتوقع انهيار التحالف الاستراتيجي لأنها أمريكا التي لولاها لما كانت إسرائيل.
فطبيعة العلاقات بين إسرائيل وأمريكا معروفة تاريخياً بالاستراتيجية ولكنها أظهرت تبعية مطلقة وصفها الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك بدقة " كنت أظن إسرائيل الولاية الخمسين لأمريكا فاتضح لي بعد ذلك أن أمريكا تابعة لإسرائيل"، وذلك بسبب مستويات القوة التي وصلت لها إسرائيل بكل النواحي والدعم اللامتناهي من الادارات الأمريكية المتلاحقة فتحول الدعم إلى حق مكتسب، ما يقارب العقدين في السلطة ظهر نتنياهو أكثر قوة من أي رئيس أمريكي أجاد التعامل مع كافة الادارات الأمريكية واعتاد أن يتعامل مع رؤساء العالم بمنطق الاستعلاء، غطرسة نتنياهو وانفلات إسرائيل خلقته الادارات الأمريكية بما فيها ترمب نفسه قدم لإسرائيل مالم تكن تحلم به في ولايته الأولى والثانية عندما يتبنى نتنياهو وهو متهم بجرائم حرب موصوفة ويضرب بكل المواثيق والقوانين الدولية ويفرض عقوبات على محكمة الجنايات الدولية ومستشاريها، ويغطي كل حروبه بالمنطقة في غزة ولبنان وسوريا واليمن ويدعو العرب لإحياء الاتفاقات الابراهيمية لتشكيل المنطقة بما يتناسب والحلم التوراتي، أمريكا إن كان ترمب أو غيره لن تذهب إلى اتفاق يكسر هيبة إسرائيل ونتنياهو والرهان على ترمب وسيرة هذا الرجل كحالة خاصة وموقفه يجب أن يظل محل شك، نظرة رجل الأعمال والصفقات الذي ربما سرعان ما يتفلت من التزاماته وينقلب على مواقفه ويعود إلى سيرته الأولى وترمب لن يتمرد على إسرائيل.