
بداية يجب أن نفرق بين كل من مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية والاتفاق الإطارى بين لبنان وإسرائيل وبين الخطة الشاملة للرئيس ترامب بشأن قطاع غزة، والمطروحة فى 29 سبتمبر عام 2025 ، ذلك أن الأخيرة حظيت بشرعية دولية ووافق عليها مجلس الأمن فى 17 نوفمبر 2025 بالقرار رقم 2803، كما أنه انبثقت عنها مؤسسات مختلفة، على رأسها مجلس السلام وتم تعيين أعضائها وبدأ بعضها فى العمل فعلياً. تشير جميع المعطيات إلى أن الخطة الأمريكية التى تضمنت عشرين فقرة قد تم تنفيذ مرحلتها الأولى، والتى تشمل وقف إطلاق النار الذى دخل حيز التنفيذ فى التاسع من أكتوبر 2025، وإعادة جميع الرهائن الإسرائيليين والجثث بالإضافة إلى إفراج إسرائيل عن مئات الأسرى الفلسطينيين، وكذا دخول المساعدات الإنسانية والتأهيلية إلى القطاع – رغم عدم كفايتها تماماً - بالإضافة إلى فتح معبر رفح فى الاتجاهين.
أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى تركيز الولايات المتحدة والمجتمع الدولى على هذه الحرب وتداعياتها، مما أدى إلى الابتعاد عن متابعة تنفيذ الخطة الأمريكية، وهو الأمر الذى أتاح لإسرائيل الفرصة نحو مزيد من تنفيذ مخططاتها فى غزة، سواء بتوسيع مساحة الأراضى التى تحتلها إلى نحو 70% من مساحة القطاع أو مواصلة عمليات اغتيال القيادات الفلسطينية، بل وصل الأمر إلى مطالبة المتطرفين الإسرائيليين بضرورة إعادة الاستيطان فى القطاع، كما كان الوضع قبل الانسحاب الإسرائيلى النهائى من غزة فى سبتمبر 2005. ومن الإنصاف أن أشير هنا إلى أن التحركات المصرية الجادة لم تتوقف طوال الفترة السابقة من أجل حل العقبات التى تعوق تنفيذ الخطة الأمريكية, حيث عقدت مصر عشرات اللقاءات مع كل من الوسيطين القطرى والتركى وقيادات حماس وكل الفصائل الفلسطينية ومع ميلادينوف المدير التنفيذى لمجلس السلام، وقد نجحت هذه اللقاءات المكثفة فى التوصل إلى حلول عملية فى بعض القضايا التى من شأنها إعطاء دفعة إيجابية لدفع خطة ترامب إلى الأمام فور العودة إلى مسارها التنفيذى. وقد تلاحظ أن إسرائيل لم تتوقف عن المطالبة بنزع سلاح حماس وفصائل المقاومة باعتبارها أحد المبادئ المنصوص عليها فى الخطة الأمريكية (الفقرة رقم 13) وألا تشكل غزة أى تهديد لجيرانها (الفقرة رقم 14) ثم أكدت أنها لن تنسحب من القطاع مالم يتم تنفيذ هذه الالتزامات، وهو نفس المنطق الذى انتهجته مع الجنوب اللبنانى, حيث ترفض الانسحاب من المناطق التى احتلتها هناك مالم يتم نزع سلاح حزب الله، ومن الواضح أن هذا المنطق الإسرائيلى يجد قبولاً لدى الولايات المتحدة ومعظم المجتمع الدولى.
وفى هذا السياق جاء قرار حركة حماس فى السادس من يوليو الحالى بحل لجنة الطوارئ الحكومية التى شكلتها لإدارة القطاع واعتزام تسليم مهامها إلى لجنة التكنوقراط التى ستتولى مسئولية حكم القطاع والمنصوص عليها فى الخطة الأمريكية (الفقرة رقم 9) والتى تم تعيين اعضائها فى الرابع عشر من يناير 2026، وترى حماس أنها بهذا القرار تتحرك فى إطار تنفيذ خطة الرئيس ترامب (الفقرة رقم 13 التى تشير إلى عدم اضطلاع حماس والفصائل الأخرى بأى دور فى حكم غزة) وبالتالى تطالب حماس بتنفيذ إسرائيل التزاماتها مقابل هذه الخطوة، وهنا نشير فقط إلى أن الفقرة رقم 13 تتضمن أيضاً نزع سلاح غزة.
وقد رفضت إسرائيل هذا القرار الحمساوى واعتبرته جزءاً من المناورات التى تنتهجها الحركة لكسب الوقت والاستمرار فى حكم القطاع بصورة غير مباشرة، وترى إسرائيل أنه بدون حل مشكلة سلاح حماس فإنها سوف تواصل احتلالها للقطاع ولن تسمح بتنفيذ أى خطوات إيجابية مثل دخول لجنة التكنوقراط، أو البدء فى مرحلة إعادة الإعمار، الأمر الذى يعنى فى النهاية التوقف عن تنفيذ الخطة الأمريكية.
إذن الخطة الأمريكية بدأت تواجه عقبات واضحة تحول دون استكمال تنفيذ مراحلها الأخرى والتى من المفترض أن تصل فى نهايتها إلى تقرير المصير الفلسطينى، وإقامة الدولة والاتفاق بين الجانبين الإسرائيلى والفلسطينى على الأفق السياسى (الفقرتان 19 و20) أى أن إسرائيل أصبحت تربط تنفيذ أى خطوات أخرى منصوص عليها فى الخطة بنزع سلاح حماس أولاً، وبالتالى فإنه بدون حل هذه المشكلة سوف تستمر الأوضاع الكارثية فى القطاع لفترة طويلة. هذا الوضع المتأزم أصبح يتطلب سرعة التحرك حتى تعود الأمور إلى نصابها، وذلك من خلال تدخل أمريكى فاعل للحفاظ على الخطة التى تحمل اسم الرئيس ترامب، وأعتقد أن الزيارة المرتقبة لنيتانياهو إلى البيت الأبيض تمثل الفرصة المناسبة للرئيس الأمريكى من أجل دفع إسرائيل للتوقف عن نهجها المتطرف الحالى فى غزة، وأن تنفذ التزاماتها خاصة وقف الاغتيالات والموافقة على دخول لجنة التكنوقراط، والبدء فى الانسحاب التدريجى وتدفق حقيقى للمساعدات مع البدء فى إعادة الإعمار.
وفى الجانب المقابل يجب على حماس أيضاً أن تدرك أهمية عامل الوقت وتنفذ البنود التى سبق أن قبلتها فى الخطة، بما فى ذلك حل متوافق عليه لمشكلة السلاح التى بحثتها مراراً مع مصر والوسطاء، وبما يساعد على التصدى لمخططات نيتانياهو لتثبيت احتلال غزة الذى يسير بنهج متواز مع الإجراءات غير المسبوقة للضم التدريجى للضفة الغربية, الأمر الذى يفرض فى النهاية أن تكون هناك مسئولية وطنية لتفويت الفرصة على إسرائيل التى تكرس جهودها لاستثمار أزمة غزة كنقطة وثوب لتصفية القضية الفلسطينية.