
أسابيع قليلة تفصلنا عن انتخابات الكنيست السادس والعشرين تلك الانتخابات التى تعتبر مختلفة عن معظم الانتخابات السابقة من حيث ثلاثة عناصر الأول أن الحكومة الحالية حققت نجاحا ملحوظا نظرا لأنها أول حكومة تستكمل مدتها القانونية منذ أكثر من ثلاثة عقود والثانى المتغيرات الإقليمية التى شهدتها المنطقة وكانت إسرائيل عنصرا رئيسا فيها تجاه كل من غزة وسوريا ولبنان وإيران بينما يتمثل العنصر الثالث فى أن رئيس الوزراء لايزال يخضع لمحاكمات فى قضايا فساد لم يصدر فيها حكم نهائى حتى الآن.
بالرغم من كافة المشكلات المحيطة بنيتانياهو على المستوى الشخصى وكذا تأثر وضعية إسرائيل على المستويين الإقليمى والدولى فإنه يجب عدم المراهنة على أن حقبة نيتانياهو فى طريقها إلى الانتهاء حيث إن هذه الشخصية تتسم بالتطرف والقدرة على المناورة والمراوغة والتعامل مع المتغيرات واستثمارها لصالحه إلى درجة القول إنه يعد آخر القيادات الإسرائيلية التى يطلق عليها شخصية كارزمية.
لايتوقف طموح نيتانياهو (مواليد 1949)عند حد معين حيث يسعى إلى الانطلاق نحو أن يكون رئيساً للوزراء للمرة السابعة وهو حدث سيكون غير مسبوق فى الحياة السياسية الإسرائيلية، ورغم أن معظم استطلاعات الرأى لم تعد تصب فى صالحه أو فى صالح الليكود حيث تمنح الحزب نحو 22 مقعدا أى أقل بعشرة مقاعد من تلك التى حصل عليها فى انتخابات عام 2022 إلا أن هذه الاستطلاعات قابلة للتغيير فى ضوء التطورات المتتالية التى تشهدها المنطقة وكيفية تعامل نيتانياهو معها.
ومن اللافت للنظر أن ائتلاف (معاً) الذى يجمع رئيسى الوزراء السابقين نفتالى بينيت ويائير لابيد قد انخفض فى الاستطلاعات من 24 مقعداً إلى نحو 15 مقعداً حيث إن كليهما لم ينجح خلال توليهما منصب رئيس الوزراء ، إلا أن المشكلة التى يواجهها نيتانياهو حالياً تتمثل فى التصاعد التدريجى لقوة حزب (يشار) برئاسة رئيس الأركان الأسبق جادى إيزنكوت الذى أصبح يتفوق على الليكود بنحو مقعدين.
لايمكن تجاهل بعض المشكلات التى سوف يواجهها إيزنكوت من بينها أنه من أصل مغربى (الوالدان) رغم أنه من مواليد إسرائيل عام 1960 حيث لم يحدث من قبل أن تولت شخصية غير إشكنازية منصب رئاسة الوزراء بالإضافة إلى أنه كان رئيساً للأركان أربع سنوات ثم وزيرا فى حكومة نيتانياهو قبل أن يستقيل عام 2024 بمعنى أنه كان شريكا لفترة طويلة فى صياغة وتنفيذ كل السياسات المتطرفة التى تمت تجاه غزة والضفة الغربية وسوريا وحزب الله وإيران.
وفى الوقت نفسه نشير إلى أن جميع الاستطلاعات لم تمنح نيتانياهو والأحزاب الدينية والمتطرفة إمكانية تشكيل الحكومة لعدم حصولهامجتمعة على 61 مقعدا وهو الأمر الذى يدفعنا إلى التساؤل هل هناك تغيير حقيقي فى المجتمع الإسرائيلى إزاء رفض التطرف والرغبة فى التوجه نحو السلام؟ أم أن الأمر يقتصر على تغيير أشخاص مثل نيتانياهو وبن غفير وسموتريتش والأحزاب الحريدية التى ترفض تجنيد أبنائها فى الجيش؟ وفى رأيى أن الأمر يقتصر فقط على الرغبة فى تغيير الأشخاص وليس السياسات.
ولاشك أن مناخ الانتخابات يمكن أن يتغير بين لحظة وأخرى لصالح نيتانياهو ومن ثم من المهم التركيز على المسارات التى سوف يتحرك فيها من أجل أن يستعيد وضعيته ووضعية الليكود، وفى هذا المجال أرى أنه سوف يتحرك فى الإطار التالى:
أولاً: مزيد من دعم العلاقات مع الإدارة الأمريكية خاصة مع الرئيس ترامب وتنسيق جميع المواقف بينهما وتجنب الخروج عن السياسات الأمريكية فى المنطقة مع استثمار تأثير الرئيس الأمريكى حتى يكون ظهيراً له فى انتخابات الكنيست وهنا نشير إلى أن اللقاء الثامن بين نيتانياهو وترامب فى البيت الأبيض الذى تم يوم 28 الحالى سيكون له انعكاسات واضحة على بعض السياسات الإسرائيلية مستقبلا خاصة التوجه نحو التنفيذ التدريحى للاتفاقات التى تمت بشأن قضيتى غزة ولبنان مع الالتزام بالموقف الأمريكى إزاء التعامل مع إيران.
ثانياً: تثبيت التطبيق العملى لمبدأ الحفاظ على الأمن الإسرائيلى بمعنى عدم الانسحاب من غزة أو الجنوب اللبنانى أو سوريا إلا فى إطار اتفاقات أمنية أو سياسية صارمة توافق عليها إسرائيل.
ثالثاً: التعامل مع إيران طبقاً للتوجهات الأمريكية بحيث لايمكن لإسرائيل اتخاذ قرار منفرد بالحرب على إيران دون موافقة أمريكية مسبقة مع الأخذ فى الاعتبار أن تفكيك البرنامج النووى الإيرانى سوف يظل تحت المجهرين الإسرائيلى والأمريكى حتى يتحقق سلماً أو حرباً.
رابعاً: امتلاك زمام المبادرة فى التعامل العسكرى والأمنى تجاه أى أهداف فى المنطقة تهدد الأمن الإسرائيلى خاصة فى غزة ولبنان واليمن مع استبعاد إيران مؤقتاً من هذه الأهداف.
خامساً: مواصلة سياسة الضم التدريجى للضفة الغربية من خلال استمرار النهج الاستيطانى المكثف وقد يتم ضم أجزاء من الضفة بشرطين الأول الموافقة الأمريكية والثانى أن يكون هذا الضم هو مفتاح نجاح نيتانياهو فى الانتخابات.
سادساَ: دعم النهج الأمريكى لتوسيع الاتفاقات الإبراهيمية مع إمكانية اتخاذ مواقف مرنة وغير مؤثرة لجذب أطراف أخرى لهذه الاتفاقات.
سابعاً: محاول تحسين العلاقات مع الدول العربية التى ترتبط باتفاقات سلام مع إسرائيل.
الخلاصة أن جميع المؤشرات تقودنا إلى أن حرص نيتانياهو على أن يعاد انتخابه رئيسا للوزراء سوف يكون الذريعة لاستمرار سياساته المتطرفة بل يمكن تصعيدها مع تجنب تقديم أى تنازلات حقيقية فى أى قضية وهو مايتطلب تحجيمه أمريكياً وعربياً، وهنا تصبح المسئولية مضاعفة على الجانب العربى الذى يجب أن يمتلك مشروعاً متكامل اًوواقعياً لكيفية تحقيق الأمن والسلام فى المنطقة ثم يتحرك إقليمياً ودولياً مسوقاً له من أجل مواجهة المشروع الإسرائيلى الذى يتمدد تدريجياً وعلنياً وقد حان الوقت للتصدى له عاجلاً وليس آجلاً.