مقالات مختارة

من الخليل إلى واشنطن: لا يكفي أن تسمعوا معاناتنا… المطلوب أن تعملوا من أجل العدالة | د. اسعد العويوي

يا من جئتم إلى الخليل ممثلين لدولة تملك نفوذاً كبيراً في العالم، لقد رأيتم جزءاً من الصورة، وسمعتم من المسؤولين الفلسطينيين كلمات تعبّر عن واقع يعيشه شعب بأكمله. رأيتم مدينة تحمل تاريخاً عريقاً، لكنها تحمل في الوقت نفسه أثقالاً يومية فرضتها سنوات طويلة من الاحتلال والقيود والحرمان من أبسط حقوق الحياة الطبيعية.

الخليل ليست مجرد مدينة على الخريطة؛ إنها مدينة الإنسان الفلسطيني، مدينة العائلات التي تريد أن تعيش بأمان، والتجار الذين يريدون فتح أبواب رزقهم، والأطفال الذين يريدون أن يذهبوا إلى مدارسهم دون خوف أو عوائق. إنها مدينة تقول للعالم إن الكرامة الإنسانية لا يمكن أن تكون قابلة للتفاوض.

لقد استمع الوفد الأمريكي إلى مطالب الفلسطينيين المتعلقة بحماية المدينة، ودعم اقتصادها، وإنهاء الإجراءات التي تعيق حياة المواطنين. لكن الرسالة الأعمق التي حملها اللقاء هي أن الشعب الفلسطيني لا يبحث فقط عن حلول مؤقتة أو مساعدات ظرفية؛ بل يبحث عن عدالة تنهي جذور المعاناة.

إن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية خاصة تجاه ما يجري في فلسطين، ليس لأنها بعيدة عن المشهد، بل لأنها واحدة من أكثر الدول تأثيراً في تفاصيله السياسية. ولذلك فإن الفلسطينيين ينظرون إلى واشنطن ليس فقط باعتبارها دولة حليفة لإسرائيل، بل باعتبارها قوة قادرة على التأثير في مسار الأحداث، وعلى دفع المنطقة نحو السلام الحقيقي أو الإبقاء على واقع الصراع.

لقد آن الأوان لأن تدرك السياسة الأمريكية أن أمن الشعوب لا يتحقق بالقوة وحدها، وأن السلام لا يبنى على تجاهل حقوق شعب كامل. فالشعب الفلسطيني لا يمكن أن يقبل استمرار واقع يشعر فيه بأن حقوقه مؤجلة، وحريته مشروطة، ومستقبله رهينة قرارات الآخرين.

وفي الوقت نفسه، يجب الاعتراف بأن داخل المجتمع الأمريكي أصواتاً كثيرة تقف إلى جانب العدالة والحقوق الفلسطينية. هناك أمريكيون من مختلف الخلفيات يرفضون أن تبقى معاناة الفلسطينيين غير مرئية، ويطالبون بسياسة خارجية تقوم على احترام حياة المدنيين وحقوق الإنسان. هذه الأصوات تمثل جسراً مهماً بين الشعوب، وتؤكد أن التضامن الإنساني قادر على تجاوز حدود السياسة.

إن رسالة الخليل اليوم ليست رسالة عداء للشعب الأمريكي، بل رسالة إلى الضمير الأمريكي: لا تسمحوا بأن تكون قيم الحرية والعدالة شعارات تُرفع في مكان وتُنسى في مكان آخر. فحقوق الإنسان لا يجب أن تتغير بتغير هوية الضحية.

نحن نريد مستقبلاً يعيش فيه الفلسطيني والإسرائيلي بأمن وكرامة، لكن هذا المستقبل لا يمكن أن يولد من استمرار الظلم أو تجاهل معاناة الفلسطينيين. العدالة ليست عائقاً أمام السلام؛ العدالة هي الطريق الوحيد إليه.

من الخليل نقول: لقد سمعتم صوتنا، ورأيتم واقعنا، ويبقى السؤال أمامكم: ماذا ستفعلون بعد أن عرفتم الحقيقة؟

فالتاريخ لا يسجل فقط من زار المدن، بل يسجل من امتلك الشجاعة لاتخاذ موقف عادل عندما كان ذلك ضرورياً.

*أكاديمي وباحث سياسي

 

كلمات مفتاحية::
Loading...