عن محمد شحرور

 

 

 

 

منذ إصداره «الكتاب والقرآن قراءة معاصرة» أحدث محمد شحرور (1938-2019) زلزالا مدويا في عالم الفكر والفقه، ما زالت ارتداداته تتواصل حتى اليوم، فقد حاول تجديد الخطاب الديني ليلائم العصر الحالي ويخلّصه من التأويلات والنصوص التي اعتبرها غريبة ومستهجنة.. لكنه لقي رفضاً تاماً من قبل المؤسسة الدينية والتيارات السلفية ومن أغلب الأحزاب والقوى الإسلامية التي اتهمته بتحريف الدين وإنكار السُـنّة، والبعض كفّره وأخرجه من الملة، وعدّه في صفوف الغرب المناهض للإسلام والمتآمر عليه، ومنهم من وصف مشروعه بأنه «حصان طروادة» الذي يحمل العلمانية والإلحاد إلى داخل حصون العقيدة. وأن أتباعه فِرقَة باطنيّة مُعاصرة تريد تفريغ الإسلام من مضمونه الإلهي، وتحويله إلى إسلام بلا شريعة (علمنة الدين).
كما لقي مشروعه رفضا من قبل التيارات العلمانية واللادينية التي رأت أنه يحاول «تجميل» الإسلام، وتقديم نسخة مطورة عنه، في محاولة لإنقاذ سمعته التي تضررت بفعل الإسلام السياسي، والعمليات الإرهابية، وهو بذلك يزيف الحقائق التاريخية، ويبتدع إسلاما جديدا بِغطاء قرآني، ويقولون، إنه قرأَ القُرآنَ بمنهج داروين وماركس لكنه ظل في إطار الدين والنص الديني، وهذا من وجهة نظرهم يؤخر عمليات التحول إلى مجتمع مدني علماني حداثي.
في المقابل، لاقت أفكار شحرور قبولا واسعا لدى الجيل الجديد، وسواء تحول هذا القبول إلى تيار فكري كبير أو صغير، إلا أنه أحدث صدمة ونقلة نوعية اختلفت تأثيراتها وتداعياتها؛ ما بين نشوء وتبلور تيار إسلامي معتدل وعصري، وتيار مناهض للإسلام السياسي الراديكالي، وتيار أخذ يتبنى الإسلام بوصفه دينا روحانيا منفتحا حضاريا متسامحا تعدديا، لكن في صورة التدين الفردي والعيش بروح العصر الحديث دون مشروع سياسي سلطوي.
لا توجد إحصاءات دقيقة لمعرفة مدى تأثير شحرور على المجتمعات المسلمة، ومن الصعب مناقشة أفكاره في مقال واحد، وحين قرأت كتابه الأشهر العام 1992، وجدتُ فيه فكرا جديداً ثورياً، يختلف عما كنت أعرفه عن الإسلام.. وبذلك فتح لي دروبا جديدة في التفكير، جعلتني أُقبل على أفكار محمد أركون، ومحمد عبد الجابري، ونصر أبو زيد، وصادق جلال العظم، وجمال البنا، وخليل عبد الكريم، والصادق النيهوم، وفرج فودة، وسيد القمني وغيرهم من المجددين التنويريين، لأقارب أفكارهم مع منظري الفكر الإسلامي التقليدي مثل محمد عمارة والغزالي وحسن الترابي والغنوشي.. ولست هنا بصدد تقديم موقف شخصي من الطرفين، ما يعنيني هنا تقديم صورة موجزة عن أهم أفكار شحرور.
أعاد شحرور اكتشاف واستخدام أدوات تاريخية في فهم وتدبر النص القرآني، أولها مفهوم الاشتقاق وجذور اللفظ والتقاليب الستة للفعل (ابتدعه الفراهيدي الذي شكّل المصحف في القرن الثاني الهجري)، وثانيها: اللاترادف التي ابتدعها ثعلب الكوفي في القرن الثالث الهجري، وتعني أن لكل كلمة في اللغة معنى مستقلا ومختلفا ولكل لفظ دلالة (الفقراء غير المساكين، الزوج غير البعل، الموت غير الوفاة، الوالد غير الأب، الكتاب غير القرآن، الزنا غير الفاحشة..) فلا يمكن للفظين مختلفين مبنى أن يعطيا نفس الدلالة. وثالثها: مدرسة «السياق» التي أسسها عبد القاهر الجرجاني رائد ومؤسس البلاغة في القرن الخامس الهجري، والسياق تعني أنه سيد تحديد المعنى والدلالة، والألفاظ والكلمات دورها خدمة معنى السياق وتوضيحه، فكل مفردة من الممكن أن تحمل معنى مختلفا تبعا للسياق.
وبحسب المفكر عادل عصمت في برنامج «مجتمع» الذي يقدمه الإعلامي باسم الجمل، فإن شحرور أضاف من عنده أدوات جديدة لفهم النص القرآني؛ أولها «الترتيل»، أي تجميع كل الآيات التي تتحدث عن قصة معينة في رتل واحد ومن ثم مقارنتها ببعضها للخروج بفهم أوضح. وثانيها: أداة التقاطع، أي إحضار الآيات المتناثرة التي تتناول موضوعا محددا ومن ثم مقاطعة اللفظ بينها للوصول إلى فهم أدق للفظ؛ على اعتبار أن للقرآن نظاما معرفيا خاصا يختلف عن النظام المعرفي للغة العربية. وثالثها: الاستنباط، باستخدام الأدوات السابقة واستبعاد الفهم الشائع للفظ. مثلاً: معنى «نساء» ليس جمع امرأة، وإنما جمع «نسيء»، أي التأخير؛ ليصبح المعنى: الأشياء المؤخّرة، أي الأشياء الجديدة المحبوبة للناس، وهي الموضة.
هذا المنهج يعتبر ثورة على المنهج التقليدي الذي أسسه الإمام الشافعي (أصول الفقه)، وسار عليه فقهاء المسلمين 12 قرنا دون مراجعة ولا تجديد. فعند الشافعي يُفهم النص القرآني من خلال خمس أدوات: النص (ولا اجتهاد مع النص)، والحديث النبوي، والقياس، والإجماع، والاجتهاد.. وبحسب شحرور أدى هذا المنهج «السلفي المحافظ» إلى تعطيل العقل الإبداعي وتجميد التفكير، بل وتعطيل الاجتهاد نفسه.. وتلك من بين أهم أسباب تأخر وتخلف العرب والمسلمين ودخولهم مرحلة الانحطاط الفكري.
اعتبر شحرور أنّ القرآن رسالة عالمية، وبالتالي يجب أن يلائم كل الشعوب والمجتمعات. ولأنه رسالة خاتمة، فيجب أن يكون النصّ مواكبا لكل التطوّرات في كل العصور. ويرى أنّ قيم القرآن يجب ألا تتناقض مع قيم العالم، وحتى يكون المسلمون جزءًا من الحضارة الإنسانية يُفترض أن تكون مفاهيم القرآن منسجمة مع قيم الحضارة الحديثة. واعتبر أن اليهود والمسيحيين والصابئين مؤمنون، وناجونَ عندَ الله، وأنَّ الإسلامَ هو الإيمانِ بالله وباليوم الآخر، وأن الديانات السماوية تنصهر في الدينِ الإبراهيمي، وفي إطار الإنسانيَّة.
اعتمد على نسبية الحقيقة، وابتدع نظريَّة الحدود، ليقول، إنَّ الله لم يضعْ أحكاماً مطلقة، بل وضعَ حداً أدنى وحداً أعلى، وما بينهما متروكٌ للتطورِ البشري. باستثناء المحرمات التي حصرها وفصلها في الآيات القرآنية فقط، وهي محرمة في أغلب الديانات والثقافات.
ورأى أن العقلية الذكورية سيطرت على علاقة الفقه الإسلامي التاريخي بالمرأة وفي نظرته الدونية تجاهها، بحيث تحوّلت العادات العربية إلى دين، واعتبر حجاب المرأة مجرد لباس اجتماعي وليس دينيا، ولا يوجد ما يسمى حجابا في القرآن (بالمفهوم السائد)، فالله تعالى فرض الحد الأدنى للباس المرأة والرجل، وهو بالنسبة للمرأة تغطية الجيوب، وكل ما عدا ذلك يتبع للذوق الشخصي والأعراف والمناخ.
كذلك اتخذ موقفا مغايرا لموقف الفقه التقليدي تجاه العديد من القضايا (الربا، العقوبات..)
دعا إلى التعامل المباشر مع النص الديني، دون الحاجة للفقهاء والوسطاء، أي بتشغيل العقل، واعتماد المناهج العلمية الحديثة.. وفهم النص الإسلامي في إطاره التاريخي، وتغليب العقل على النقل، وإعادة الاعتبار للتفكير.
ودعا أيضا لتأسيس مجتمع مدني تحكمه القوانين المدنية (لا قوانين الشريعة) موضحا أن أوروبا نهضت من عصور الظلام، وتقدمت بعد أن تخلصت من سلطة الكهنوت، وجعلت التدين مسألة فردية.
رأى أن القرآن اتبع أسلوب التدرج في الأحكام، وأنه وضع اللبنات الأساسية لتنظيم المجتمعات، وبالتالي يجب التعامل مع روح النص ومقاصده وليس مع النص نفسه حرفيا، فما بدأه الإسلام قبل ألف وأربعمائة سنة، يمكن للبشرية أن تهتدي به، ولكن بروح وعقلية جديدة.
رأى معارضوه أن أفكاره تؤدي إلى تدمير الإسلام، وتذويبُ الهُوية الإسلامية. منهجه عبث وبهلوانية لُغويَّة، وحاولوا التصدي له، ولكن أغلبهم اتبع أسلوب التهجم والاتهام والتكفير، دون أن يقدموا محاججات منطقية على أسس علمية.

 

 

 

كلمات مفتاحية::
Loading...