لعبة القوة

التريث مطلوب والحروب الكبرى ممنوعة

 

 

 

العالم في مأزق، والنظام العالمي أثبت أن لا مكان للضعيف، المعيار هي القوة، أين هي غزة وأوكرانيا، سوريا ولبنان والعراق والسودان وليبيا، بلعبة القوة مازالت أمريكا تمسك بمفاصل العالم بأكمله، تدير السياسات العالمية بما يتناسب ومصلحتها دون رقيب أو حسيب، ترسم خرائط العالم والنفوذ الجيوسياسي والبقية عليهم التنفيذ فقط، بغطرسة القوة والانحطاط لا شيء سوى أمريكا ولن يستطع أحد زعزعتها، لا الأمم المتحدة ولا مجلس الأمن ولا دول عظمى أو كبرى تجرؤ على مواجهة الطوفان الأمريكي، البلطجة عنوان المرحلة "يجب أن تفعلوا ذلك، والا"، فرض الهيمنة الكاملة والنفوذ تحت التهديد والوعيد على الجميع أعداء وحلفاء فأمريكا أولاً، يقولها ترمب صراحة "أنتم لا شيء دون أمريكا عظيمة قوية، افعلوا كل شيء لتبقى أمريكا هي الأعظم"، وأي دولة بالعالم لم ولن تكن إلا بحماية الأساطيل الأمريكية.

ولكن ترمب يستشعر تراجع أمريكا التي تخسر بالحروب والاقتصاد، فضلاً عن كراهية العالم لأمريكا والذي يتمنى لها الزوال والفناء، هكذا يقول ترمب "إنهم يدفوننا ونحن أحياء"، يحاول ترمب انقاذ الموقف بمواجهة كل القوى في العالم ويتحداها، أليس الزمن الأمريكي!!، سياسة الهيمنة على نحولا يصدق من خلال الدولار ومن خلال السياسة الصناعية والاستيلاء على كل شيء، كل شيء، رسوم جمركية على الجميع دون استثناء، رسوم جمركية وعقوبات على دول تؤثر على التوازنات الجيوسياسية ولها وزناً سياسياً واقتصادياً وثقل دولي، الصين والهند والبرازيل "الدول التي تشتري النفط الروسي" وروسيا، دول تمثل نصف العالم عسكرياً واقتصادياً وديمغرافياً وحتى نووياً، رسوم جمركية والروس يمسكون بسوق النفط والطاقة وحتى القمح والمعادن، وثمة تعليقات تسخر من تأثير العقوبات على المسارات الاستراتيجية للدول، حتى أوروبا لم تسلم منه 15% على البضائع الأوربية مشروطة بشروط أثارت الجدل حول مدى التبعية الاستراتيجية الأوروبية للولايات المتحدة الأمريكية، اذا لم تفعل شيء سوف تخضع للهيمنة والسحق والتهميش، و"العصيان الأوربي ان حدث يعيد أمريكا إلى الهنود الحمر"، تمويل الناتو بأسلحة أمريكية الصنع حصراً، ولا نفط الا النفط الأمريكي، وحصر تجارتها مع أمريكا، والاستغناء عن الشريك الصيني، الخشية من الصين التي تأخذ خطوات ثابتة جداً ضد استراتيجية أمريكا على المستوى العالمي وتقدر الشركاء، وتسعى لوقف اندفاعات الاتحاد الأوربي أكثر نحو الفلك الأمريكي، ومن الممكن أن تكون الصين بوابة حوار لفض النزاع الأوكراني الروسي تمهيداً لتسوية عجز عنها ترمب.

شهدنا تطورات خطيرة منذ أن بدأت روسيا حربها على أوكرانيا، الآن تكثف روسيا هجماتها الجوية على المدن الأوكرانية، والمعارك أكثر دموية بين الطرفين، والهجوم الروسي الأخير فتح الطريق أمام التوغل البري الروسي (30 كم) خلف خط المواجهة، بوتين حقق أهداف ميدانية كثيرة في أوكرانيا منذ تسلم ترمب السلطة، فما جدوى المفاوضات وايقاف الحرب كما كان يريد ترمب انهاء هذه الحرب العبثية بقدومه، وبوتين لا يستجيب لذلك، لا حاجة لوقف الحرب، وقد اقترب القيصر من تحقيق أحلامه بالسيطرة على أراضي جديدة في شمال خاركيف وغرب زابوريجيا وكوبيانسك ليمان وو، ما يقرب ثلث الأراضي الأوكرانية الأكثر حيوية لاقتصاد البلاد مما يمنح روسيا مزايا كبيرة في ساحة المعركة، ماذا تبقى لأوكرانيا وقد استنزفت الكثير من الامكانيات كما المعنويات الأوكرانية "وكذلك الروسية"، وحلم أوكرانيا بالانضمام إلى الحلف أصبح سراباً، فقط وقف اطلاق النار.

ولكن الرئيس الروسي لا تزال لديه طموحات اقليمية كبيرة لم تتحقق في أوكرانيا، ويبدو أنه أكثر ثقة على النصر وهزيمة أعدائه في الداخل والخارج، يضع ترمب والناتو أمام الأمر الواقع ويدعو زيلينسكي للاستسلام، العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا بدأت بقرار من الرئيس بوتين وستنتهي بشروطه،  الاعتراف الأمريكي باحتلال روسيا أربع مناطق في شرق أوكرانيا دونيتسك ولوغانسك وزابوريجيا وخيرسون إضافة إلى القرم، وبذلك تكون روسيا أغلقت المنفذ البحري لأوكرانيا على البحر الأسود، ولن يكتفي بذلك بل سيطالب بمراجعة الحدود الاقليمية لبحر البلطيق وتعديل الحدود حول الجزر الروسية في شرق خليج فنلندا وحول كالينينغراد وتوسيع مياهها الاقليمية المتاخمة لفنلندا وليتوانيا، خرائط بحرية تعود إلى منتصف القرن العشرين لا تتوافق تماماً مع الاحداثيات الحديثة للخرائط وبالتالي يجب ابطالها،   ومراجعة الاعتراف بالاستقلال الغير قانوني لدول البلطيق بعد الحرب الباردة  عام 1991، تغيير الحدود الاستراتيجية البحرية ربما تغير كافة الترتيبات الأمنية بأوروبا المعتمدة ضمنياً منذ الحرب الباردة سيؤدي إلى التحول لنظام دولي جديد يعكس توازن قوى عالمية ستتحدد معالمه بعد نهاية الحرب، والدخول في فصل جديد من الحرب، ونهاية الحرب قد لا تبدو قريبة.

في المحصلة روسيا تدير هذه الحرب كما تريد مع ادراكها بأن الغرب في موقف ضعيف، وترمب مستاء من عدم قدرته ايقاف هذه الحرب خلال 24 ساعة!، ومن الوعود الروسية التي لم ينفذ منها شيء بل بالعكس تصعد روسيا هجماتها، وقبل دقائق من مهلة أمريكية حاسمة وعقوبات ستكون الأقصى على روسيا ان لم توقف الحرب، تم الاعلان عن لقاء مفاجئ للعمالقة الرئيسين الأمريكي والروسي، ربما تكون الوجهة الامارات أو "آلاسكا"، ربما نشهد اختلافاً على المكان، قمة بوتين- ترمب ستكون مهمة لحل التوترات الدولية، وتحريك الجمود على طاولة المفاوضات، نصراً تحقق بالفعل لبوتين بعد غزو روسيا لأوكرانيا عزله العالم، والآن سيعود كما أراد على الطاولة الرئيسية للسياسة الدولية، كان أسبوع حافل لبوتين اجتماعات مع قادة دول في العالم ماليزيا والامارات والهند، اتصالات مع الصين وجنوب افريقيا واتفاقيات كثيرة منها اتفاق مع النظام الجديد بسوريا والكثير منها ما يزال سرياً، التحضير للاجتماع قد يغير قواعد اللعبة مع ترمب فمن يصنع النفوذ الجيوسياسي روسيا أم الغرب؟؟.

مهما كانت ضريبة التغيير مكلفة يبقى الحل الأمثل العدالة الاجتماعية والعيش بسلام، ولن يستقيم العالم بوجود ثلة مجانين وبلطجة تسرق الشعوب وتفرض عقوبات وأتوات، قمة العمالقة الفرصة الأخيرة أمام الدبلوماسية لحل الأزمة في أوكرانيا في ظروف شديدة التعقيد بين واشنطن وموسكو خصوصاً بعد تحريك غواصتين نوويتين أمريكية في المنطقة، بالمقابل اليد الميتة نظام ردع سري نووي روسي عند التعرض للخطر، نظام تحكم آلي طوره الاتحاد السوفييتي ابان الحرب الباردة للتحكم بترسانته النووية، العالم أمام خيارات صعبة النووي أم الدبلوماسي، التريث مطلوب والحروب الكبرى ممنوعة، ولكن العالم لن يستقيم الا بحرب عالمية ثالثة.

 

 

 

Loading...