يُستخدم مصطلح "اليسار" في السياق الفلسطيني بطريقة إشكالية تكاد تُفرغه من مضمونه التاريخي والفكري. فالمفهوم الشائع بين قطاعات واسعة هو أن "اليساري" هو ببساطة من يعارض القوى التي تُصنّف يمينية أو سلطوية، كحركة "فتح" مثلاً، حتى وإن كان هذا "المعارض" لا يحمل أي مشروع فكري أو اجتماعي يرتبط تقليديًا باليسار. بهذا المعنى، أصبح اليسار مرادفاً للمعارضة السياسية، لا لموقف فكري واجتماعي شامل.
لكن اليسار، في جذوره الفكرية والتاريخية، ليس مجرد موقع سياسي على خارطة الصراع الفصائلي. اليسار هو منظومة قيم ومبادئ؛ فهو يرتبط بالديمقراطية لا كشعار بل كممارسة، ويرتبط بالمساواة بين المواطنين رجالاً ونساءً، كما يرتبط بمشروع اقتصادي يسعى للعدالة الاجتماعية وتوزيع عادل للثروة، وبتصور حداثي يُعلي من شأن العقل والعلم والنقد. هذه القضايا تكاد تكون غائبة أو هامشية في الخطاب الفلسطيني المتداول عن "اليسار".
لفهم الإشكالية بشكل أعمق، من المفيد توضيح معنى اليسار واليمين سياسيًا واجتماعيًا. فاليسار تاريخيًا وفكريًا يرتبط بقيم العدالة الاجتماعية، المساواة، الدفاع عن الطبقات الشعبية، وتوسيع نطاق الديمقراطية وحقوق الإنسان، كما يتميز بميل إلى التغيير الجذري وإعادة توزيع السلطة والثروة بشكل أكثر إنصافًا. أما اليمين، فيرتكز عادةً إلى الحفاظ على البُنى التقليدية القائمة، الدفاع عن الملكية الخاصة والمصالح الاقتصادية للطبقات المهيمنة، والتشديد على الاستقرار والتراتبية الاجتماعية. اجتماعيًا، يتجلى اليسار في الانحياز إلى قضايا المرأة والعمال والفئات المهمشة، وفي المطالبة بالحريات المدنية والحقوق الفردية، بينما يعكس اليمين نزعة أكثر محافظة، تدافع عن الأعراف السائدة وتولي الأولوية للتقاليد والهويات الجمعية على حساب الفردية والحقوق الكونية.
في السياق الفلسطيني، يزداد هذا الالتباس بسبب خصوصية الصراع الوطني، حيث تغدو الأولوية لمعركة التحرر من الاحتلال، فيتداخل البعد الوطني مع الاجتماعي. فالكثير من القوى تصف نفسها يسارية لمجرد تبنيها خطابًا معاديًا للتسوية السياسية أو رافضًا لهيمنة "فتح"، دون أن تتبنى بالضرورة برنامجًا ديمقراطيًا أو رؤى اقتصادية واجتماعية عادلة.
لقد ساهم اتفاق أوسلو (1993) وتأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية في إعادة تشكيل المشهد السياسي الفلسطيني، لكن هذه العملية لم تخلو من تبعات سلبية على الحركة الوطنية بأسرها، وعلى اليسار بشكل خاص. فالسلطة الجديدة ركّزت السلطة التنفيذية والسياسية في إطار محدود، ما أدى إلى تراجع دور منظمة التحرير كإطار جامع لكل القوى الفلسطينية، وأضعف خطاب المقاومة الوطنية الشامل. في الوقت نفسه، أدت الموازنات المالية والسياسات الإدارية للسلطة إلى تحجيم دور النقابات والاتحادات، التي كانت تشكل العمق الشعبي للتيارات اليسارية. هذا التراجع ساهم في تشظي اليسار الفلسطيني، حيث انقسمت قواه بين تيارات مؤيدة للسلطة، وتيارات معارضة لكنها ضعيفة التنظيم، وتيارات هامشية لا تمتلك مشروعًا اجتماعيًا أو اقتصاديًا متكاملًا. وهكذا، تحول اليسار من قوة فاعلة في المقاومة الوطنية والاجتماعية إلى لاعب هامشي غالبًا ما يُختزل دوره في المعارضة الرمزية للسلطة ولحزبها الحاكم.
إحدى الإشكاليات الجوهرية أن بعض الشخصيات والتيارات داخل "فتح" تتبنى مواقف يسارية في الاقتصاد أو في قضايا المجتمع المدني، لكن لا يُنظر إليها على أنها يسارية لأنها جزء من حركة تُصنّف كتيار وطني "وسطي" أو "يميني". في المقابل، قد يُصنّف فصيل صغير يرفع شعارات راديكالية ضد "فتح" أو "حماس" على أنه "يساري"، حتى وإن كان برنامجه خالياً من أي مضمون اجتماعي أو اقتصادي يساري. وهنا تتجلى الأزمة: اختزال اليسار الفلسطيني في الموقف السياسي من السلطة أو من الفصائل، لا في المشروع الذي يحمله.
إضافة إلى ذلك، لم يتمكن اليسار الفلسطيني من تطوير خطاب عصري متكامل يربط بين النضال الوطني والنضال الاجتماعي. فقد ظل الصراع مع الاحتلال يطغى على كل ما عداه، مما جعل القضايا الداخلية مثل الديمقراطية، الحريات، قضايا المرأة، والعدالة الاقتصادية، تأتي في مرتبة ثانوية أو حتى ترفاً مؤجلاً. غير أن هذا التأجيل ساهم في إضعاف مصداقية اليسار نفسه، إذ بدا وكأنه نسخة أخرى من "المعارضة السياسية" بلا هوية مميزة.
ومن الإشكاليات الأخرى أن البنى التنظيمية للأحزاب اليسارية الفلسطينية بقيت جامدة، أسيرة هياكل بيروقراطية وقيادات تقليدية، غير قادرة على تجديد نفسها أو استقطاب الأجيال الشابة. هذا الجمود التنظيمي ترافق مع تراجع الدور الاجتماعي لليسار، بعدما فقد الكثير من حضوره في النقابات والاتحادات، وهي ساحات كانت تشكّل عمقه الشعبي.
إن إعادة تعريف اليسار الفلسطيني تتطلب جهداً نقدياً صريحاً: لا يكفي أن يكون مجرد نقيض للسلطة أو للفصيل المهيمن، بل يجب أن يعيد طرح نفسه كمشروع شامل، يربط التحرر الوطني بالديمقراطية، ويوازن بين النضال ضد الاحتلال والنضال من أجل مجتمع أكثر عدالة ومساواة وحداثة. عندها فقط يمكن أن يستعيد اليسار معناه الحقيقي، ويتجاوز أزمته التاريخية الراهنة، ويصبح فاعلًا سياسيًا واجتماعيًا متكاملاً، قادرًا على مواجهة تحديات فلسطين المعاصرة بكل أبعادها.