فيما تحاول أمريكا وحلفائها ارسال اشارات متناقضة بين التطمين والتهديد، منطقة الشرق الأوسط تترقب وساعة الصفر قد تدق قريباً بعد دخول خطط انسحاب القوات الأمريكية من العراق حيز التنفيذ قبل موعد الاتفاق المقرر في 25/9/2025!، هو ليس انسحاب بالمعنى الفعلي هو اعادة تموضع "إجلاء الجنود ونقل المعدات العسكرية واللوجستية إلى قاعدة في أربيل على الحدود الإيرانية، ودولة عربية مجاورة"، قرار نتيجته ليست واضحة بسبب الأحداث الحالية، والانسحاب الأمريكي من العراق ليس جديداً، فقط بدأ في عهد أوباما وفق خطة هدفت إلى سحب كل القوات بحدود نهاية 2011 مع الإبقاء على قوة لا تزيد عن 50 ألف جندي، ظهور داعش دفع أوباما إلى إعادة إرسال قوات جديدة عام 2014 تحت مظلة التحالف الدولي، ترمب الأول الذي رأى أن غزو العراق كان خطأ ذهب نحو تخفيض قوات بلاده في الشرق الأوسط، خلفه بايدن لا يريد اخلاء تام للساحة العراقية للحفاظ على حضور أمريكي فيها، والآن انسحاب ترمب وظهور صهره كوشنير وطوني بلير لهندسة اليوم التالي بغزة، كوشنر الذي يرى أن الصراع العربي الإسرائيلي "ليس أكثر من نزاع عقاري بين الفلسطينيين والإسرائيليين"، تظهر تساؤلات عديدة حول هذا الحراك والبدائل المطروحة للهيمنة الأمريكية على المنطقة ككل والعراق خاصةً بعد الانسحاب؟!
أبرز هذه البدائل التي سوف تحقق لها ما لم تستطيع تحقيقه بالقوة العسكرية خلال السنوات الماضية هو مخطط تقسيم المقسم فمن خلال هذا المخطط تتمكن من بقاء نفوذها على الكيانات الخارجة من رحم الدولة، والتي ستكون بطبيعة الحال ضعيفة تحتاج إلى المساندة الأمريكية في مقابل منحهم نفوذاً قوياً عبر نشر قوات عسكرية تستطيع من خلالها الحفاظ على مصالحها، ليس فقط في العراق وإنما في منطقة الشرق الأوسط كلها، وهذه خطة كسينجر "دول منطقة الشرق الأوسط صغيرة غير قابلة للحياة بمفردها، فلا بد من قوة عظمى تدعمها لتعيش وتبقى بتثمين الدولة الطائعة ومعاقبة الدولة العاصية، وهذا هو معنى دولة الثواب والعقاب"، وهذا ما حصل فعلاً في العراق، تقسيمات طائفية وقومية في بنية الحكومات المتعاقبة بعد الاجتياح، توزيع المناصب على أساس هذا التقسيم، دعم الأكراد قومياً عندها تكون كركوك نقطة الخلاف بين العرب والأكراد، العراق خاضع للاحتلال الكامل، ويمر بمخاض عسير وتطورات سريعة، وحالة من الغليان الشعبي والفوضى السياسية والأمنية، في العراق تتجسد الوحشية الأمريكية التي استباحت كل شيء، وما العراق وتقسيمه سوى البداية".
اللعبة الأمريكية الكبرى بتجديد الشرق الأوسط لترسيخ زعامتها الانفرادية في العالم بدت ظهور ملامحها في العراق، شاركت إسرائيل في رسم خرائط الحرب على العراق لإضعافه تمهيداً لتقسيمه واحتلاله، تعاظم وتطور القوى العسكرية العراقية على المستوى الإقليمي أثار القلق الإسرائيلي فتم توريط العراق بحروب بدأت مع إيران ثم الكويت، برناردو لويس المؤرخ الصهيوني المعروف بمطالبته بتفكيك العراق وإقامة ثلاث دول فيه على أسس طائفية وعرقية يرى "أن العراق يشكل الخطر الأكبر على إسرائيل"، ومن الدوافع العقائدية الإسرائيلية التي تروج لسحق العراق تتعلق بأن أرض إسرائيل من النيل إلى الفرات "إسرائيل الكبرى"، وما جاء في الأساطير التلمودية "أن خراب دولتهم الثانية سيكون على أيدي جند أولي باس شديد يخرجون من أرض بابل كما خرج نبوخذ نصر الذي دمر دولتهم الأولى قبل آلاف السنين وجعلهم عبيداً"، و"أن ما يسمى بهيكل سليمان لن يبنى إلا إذا خُربت بابل ولن يعود الرب حتى يُبنى الهيكل ولن يُبنى الهيكل حتى تؤدب بابل وآشور!!"، يرى ميرشايمر وستيفن والتز باحثان في الحركة الصهيونية "أن اللوبي الصهيوني في واشنطن كان له دور فعال في احتلال العراق وغالباً لمصلحة إسرائيل وليس البترول فقط".
وكانت البداية الفعلية لتمزيق العراق في 5/4/1991، عندما صدر القرار (688) من مجلس الأمن المتضمن انشاء اقليم كردي في شمال العراق بحماية أمريكية بريطانية إسرائيلية مما أفقد العراق40% من سيادته على أراضيه، وأصبح عرضة للاختراق الجوي والاستخباراتي الإسرائيلي، ثم جاء الاجتياح الأمريكي البريطاني للعراق في20 /3/2003، تحت ذريعة أسلحة الدمار الشامل وبناء عراق ديمقراطي!!، فكان بيئة مناسبة لأمريكا وإسرائيل لتنفيذ مخططاتها في المنطقة بذريعة الارهاب، فتحول العراق على مدى سنوات إلى خراب وفوضى خلاقة وعنف طائفي الاستراتيجية الأمريكية المعروفة، وبدأت مرحلة جديدة غير مسبوقة من العلاقات مع إسرائيل وخاصة مع الاقليم الكردي الذي أصبح مستقلاً بحكم الأمر الواقع بعد الاجتياح فكان قاعدة عسكرية أمريكية مما منح إسرائيل ميزة استراتيجية على أعدائها في المنطقة.
الادراك الاستراتيجي للإدارة الأمريكية بدا واضحاً في صياغة تصوراً حقيقياً استناداً لما يمكن تسميته بعوامل الثبات في السياسة الخارجية لامتصاص التوترات والاضطرابات في منطقة الشرق الأوسط، بالتوازي مع النفاق الاعلامي والسياسي والقوة الناعمة وتعزيز الأدوات الدبلوماسية، وفي نطاق تعاطيهم مع الحلفاء الاستراتيجيين والتي تدور جميعها في فلك حماية وتعزيز المصالح الاستراتيجية الأمريكية التي ترتكز على مجموعة من الثوابت تتمثل بالسيطرة على منابع النفط، حماية الممرات البحرية لضمان امدادات الطاقة، وتدمير مرتكزات القوة العربية لضمان أمن إسرائيل وتمددها وظهورها كقوة اقليمية، بالإضافة إلى توجيه ردع ضد القوى المناوئة لها في ساحات التصادم الجيوسياسي في المنطقة، مما أدى إلى تغيير وسائل تحقيق أهداف الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط نحو الاستخدام المباشر للقوة العسكرية لحماية الأهداف والحفاظ عليها وتحقيق أهداف جديدة، والتي أصبحت من صميم هذه الاستراتيجية في المنطقة، بهذه الكيفية ترغب أمريكا ربط بعض الأزمات الاقليمية في المنطقة بعضها ببعض خاصة تلك التي تشهد تدخلاً عسكرياً أمريكياً على مسرح الأحداث.
لا دولة هنا سوى إسرائيل من النيل إلى الفرات، ترمب كما أسلافه عملوا كأداة لخدمة إسرائيل، لا بل، جميع الاستراتيجيات الأمنية الأمريكية الصادرة من عام 1992 كانت تصب لحمايتها، اليمن قد يكون في مرمى النيران الأمريكية دفاعاً عن إسرائيل، للاحتياط سحبت قواتها من العراق تحسباً من أي رد فعل تقوم به فصائل الداعمة لليمن في العراق وخلايا لا تمتثل للدولة العراقية، ضرب إيران وحزب الله هو ما يجول الآن وأكثر من أي وقت أخر، وقد نشهد مواجهة يجري لها التحضير منذ أشهر، إيران رفعت حالة التأهب العسكري والأمني إلى أقصى المستويات استعداداً لأي طارئ، والقوات الأمريكية المنتشرة حول إيران تكثف استعداداتها وتعيد تموضعها الاستراتيجي تحسباً لضربة خاطفة، فالرد الإيراني سيكون على تل أبيب والأصول الأمريكية في الخليج، آلاف الصواريخ الإيرانية الباليستية العالية الاستطاعة موجهه إلى قواعدهم العسكرية ومنشاتهم الاستراتيجية.
ترمب، دون أن ندري ما إذا كان يعاني من تراجع في الذاكرة، أو في قدراته العقلية، يريد أن يوقف ويتجنب وقوع حروب في العالم والمنطقة، وهو من يشعلها، بالاعتداء والانتقام العسكري، فيما يمد إسرائيل بأحدث الأسلحة ويشجعها على استمرار الحرب ويزود أوكرانيا بالسلاح ليشعل أوروبا، ويحشد ضد فنزويلا بدعوى تجارة المخدرات أشبه بأسلحة الدمار الشامل في ضرب العراق، فلا مفر من مواجهة الطوفان الأمريكي لتحقيق السلام الدولي.