ترمب... بين الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية والعالم

الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس

 

 

 

 

تمتلك الولايات المتحدة قوةً عسكريةً واستخبارية، تمكنها في حال استخدامها بحدودها القصوى من ضرب أي هدفٍ في أي مكان، لهذا فإن ما قامت به في فنزويلا، وما قامت به قبل ذلك في إيران، وما تقوم به إسرائيل في الشرق الأوسط، كذراعٍ لها، لا يجوز اعتباره عملاً مبهراً أو قريباً من المعجزة، إنه نتاجٌ بديهيٌ لفائض القوة، بالقياس لفائض الضعف عند المستهدفين.

بعد الذي حدث في فنزويلا وسابقة اعتقال رئيسها المنتخب مادورو، وتوزيع صورٍ مهينةٍ له ولبلده، بل وقبل ذلك أي منذ دخول ترمب إلى البيت الأبيض في دورةٍ أولى ثم ثانية، أدخل العالم في حالة اضطرابٍ شاملٍ وأنتج قلقاً منه، تساوى فيه الأصدقاء التقليديون مع المحايدين، إضافةً إلى توجسات المناوئين له من دولٍ قريبةٍ وبعيدة، وإذا كانت أمريكا اللاتينية توصف بالحديقة الخلفية للولايات المتحدة، فإن أوروبا هي الحديقة الأمامية، وإذا ما أضفنا الشرق الأوسط إلى منظومة العلاقات الكونية الأمريكية بوجهيها السالب والموجب، ففيه من الحلفاء لأمريكا ما يوازي أوروبا وربما يزيد عليها.

ما فعله ترمب مع فنزويلا وما زاد عليه من تهديدٍ مباشرٍ لدولٍ أخرى، جسّد انقلاباً جذرياً على كل ما كان ينظم العلاقات الدولية من ضوابط قانونية، ليذهب بعيداً في تغيير القواعد أو ما تبقى منها، لحساب قاعدةٍ وحيدةٍ يعمل على فرضها، قوامها... من يمتلك القوة يمتلك التحكم بالآخرين دولاً أو قادةً أو نظم.

الذريعة لهذا الانقلاب يمكن تلفيقها، ولكن الهدف الحقيقي لم يعد مخفياً ولا حتى مموهاً، فثروات فنزويلا هي الهدف، وفي عهد ترمب صار معلناً وذلك يحدث بصورةٍ أخرى مع أوكرانيا، وأضحى الأساس لسياسات ترمب، وكأن العالم ومصالح شعوبه وتقاليدها وثقافتها وعلاقتها بأوطانها، هو شأنٌ عقاري يعالجه ترمب كما عالج بناء برجه في نيويورك، وكذلك تسويق منشآت القمار والملاهي، وتحويل الأوطان والشعوب إلى أماكن وعمّال قيمتهم قدر ما يدخلون من أموالٍ للخزينة الأمريكية.

لا يعنينا كيف كان مادورو يدير بلاده، فهذا شأنٌ فنزويليٌ بامتياز، مثلما هي الحال في جميع دول أمريكا اللاتينية التي إن لم تشتبك في نزاعٍ مباشرٍ مع أمريكا، فهي دائمة الحذر منها ومن تدخلاتها الفظة، إلا أن ما يعني العالم هو النموذج الذي أنتجه ترمب، والذي قد يجد من يحتذيه حيث العالم يتحوّل إلى ساحة صراعٍ مدمّر تحت قانون.. القوي يكتسح الضعيف، وكل ما يملكه الضعيف هو مشروع استيلاءٍ للقوي عليه.

في الشرق الأوسط، شيءٌ يماثل ما في أمريكا اللاتينية، والنموذج الأوضح والراهن هو كيف تعامل ترمب مع غزة، وكيف بادر ومنذ الأيام الأولى لولايته الثانية إلى إعلان موقفه المتبني لحرب الإبادة عليها، ودعوته لتهجير من بقي على قيد الحياة من أهلها، إلى أي مكانٍ يقبل بهم على وجه الأرض، ليتسلمها أرض فراغٍ يبني عليها الريفييرا التي وعد بها، والتي نشر صهره ووكيله الاستثماري كوشنير صوراً حديثةً أنتجها الذكاء الاصطناعي لمستقبل غزة المتخيل، على هيئة مدينة أحلامٍ أساسات الأبنية العملاقة تقوم على آلاف الجثث التي لم تنل حظها من الدفن كما يُدفن البشر العاديون.

وفي عهد ترمب فلكل منطقةٍ طريقةً استثماريةً تلائمه وتلائم سيطرته عليها.

في أمريكا اللاتينية أرسى نموذج فنزويلا، وفي الشرق الأوسط يرسي نموذج نتنياهو، وغزة وحرب الإبادة عليها هي مجرد نقطة انطلاق، وما حولها من جبهات، هي المجال الحيوي لمشروع الاستثمار والنفوذ المشترك مع نتنياهو، ولا بأس من أن يستخدم الشريكان ذرائع تشبه ما استخدم في فنزويلا، فهناك المخدرات وفي الشرق الأوسط الإرهاب.

إن توغل ترمب في هذا النهج لن يكون بمثابة سكينٍ حاد يقطع زبدةً طرية، فكل مغامرة استعراض قوة وإرهاب الآخرين، لابد وأن تنتج ردود أفعالٍ معاكسة، ذلك مع انتباهة الشعوب إلى أن المستهدف ليس رئيسها ظالماً كان أم عادل، أو نظام الحكم فيها، بل ثرواتها ولقمة عيشها، وتحويل الملايين من مواطنين في بلدانهم إلى عمّال سخرةٍ أو بأجرٍ ضئيل في مشاريع استثمارية لا يديرها قادة، وإنما مقاولون لا همّ لهم إلا الربح ونقل الثروات من أماكنها الطبيعية إلى خزائن أمريكا، وهذا ليس استنتاجاً أو نوعاً من الدعاية المناوئة لأمريكا بل هو ما يعلنه ترمب بصريح  العبارة قبل وأثناء وبعد كل غزوةٍ يقوم بها أو يفكر بمثلها.

ما فعله ترمب مع فنزويلا هو نموذجٌ يحتم على دول وشعوب العالم كله القلق إمّا من مواصلة تكراره أو التهديد به ووفق مقاييس ترمب يتوازى الصديق مع الخصم مع المحايد، فأينما وجدت الثروة فوق الأرض وتحتها فكل شيءٍ مباحٌ للحصول عليها، إلا أن ما لا يدركه ترمب من هذا النهج الذي يعمل على فرضه أنه سيحيل الحدائق الأمامية في أوروبا والشرق الأوسط، والحدائق الخلفية في أمريكا اللاتينية إلى حدائق أشواكٍ ما دام سيتواجه أولاً وأخيراً مع الشعوب وثرواتها ولقمة عيشها.

 

 

 

 

Loading...