مادورو وامتحان الضمير العالمي

 

 

 

 

القلاع لا تسقط وتتصدع بيوتها الداخلية إلا من الداخل. ولو أظهرت فنزويلا في الوقت الحالي تماسكاً داخلياً. الخطر الذي دق أبواب الرئيس مادورو بعنف هو "تآكل الولاءات" الذي كان العدو الخفي الذي رصد حركات الرئيس ليلة أمس. وكانت الورقة الرابحة في الهجمة، فأميركا لن تغامر بدخول غير محسوب بدقة يمهد لدخول مقر الرئيس ويضمن لها سلامة قواتها. أمريكا، والتي هددت الرئيس الفنزويلي على مدار الفترة الماضية، كانت تخطط لهذه العملية منذ فترة طويلة وطويلة جداً. فالجهد الاستخباري سبق العسكري بأشواط طويلة وهو الذي مهد لسلاسة العملية، وإظهار قوات النخبة الأمريكية بمظهر القوات التي تدخل وتخرج بدون خدوش بإخراج هوليوودي محترف. بالمحصلة، شراء الذمم لتسهيل الوصول إلى الرئيس كان داعماً أساسياً في العملية وليس القوة البشرية والسلاح المستخدم ولا الطيران الذي التقط مادورو من مقره.

مادورو الرئيس الشرعي، ليس الرئيس الوحيد التي ساهمت أمريكا باقتلاعه من كرسي الحكم، بل سبقها اثنان وسبعون محاولة لتغيير نظام الحكم خلال الحرب الباردة وحدها، نجح منها ستة وعشرون، وخمس محاولات تدخل عسكري خلال الفترة (١٩٨٣-٢٠٢٦) ابتداء باغتيال رئيس وزراء غرينادا موريس بيشوب وانتهاء بالرئيس مادورا، تدخلات سافرة وعدوان ممنهج ضده دول مستقلة،  لكن هذا العدوان العابر للقارات الأخير، يمرغ أنف القانون الدولي وسيادة الدول وكل هراء الاستقلال السياسي والديمقراطية التي لا تعجب ميزان الديمقراطية الامريكية، عدوان على اثير الفضائيات، عدوان شاهدناه بالصوت والصورة، عدوان بث العملية وكانها نزهة لعائلة أمريكية، عدوان سيواجه حتى ولو نجحت مساعي الجارة كولومبيا بعقد جلسة لمجلس الأمن بفيتو امريكي، وضعف وخنوع العالم الحر، حقيقة تبدو للبعض صادمة، لكن مرة أخرى ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وكل الهيئات الدولية بقوانينها واتفاقياتها في مواجهة حقيقية أمام ما حصل، مواجهة  تقيس نجاعة ومدى جدية وفعالية وجودها بالأساس وما هي المعايير التي تطبق وعلى من تطبق، لأنها على أرض الواقع تصطدم بلاعبين دوليين غير قابلين للمساس ما دامت تعارض مصالحهم. 

شرعية مادورو غير قابلة للنقاش بالطبع، واقتياده قسراً من قبل قوة أجنبية من وطنه يُعد بلا شك عدوانًا سافرًا وسحقًا لمفهوم الدولة المستقلة. يُبعد مادورو الآن قسراً عن وطنه ليعيش منفياً وينتظر مصيراً مجهولاً؛ وهو مصير سكت العالم عن أحكام مشابهة سابقة. هذا السكوت الذي سمح سابقاً باقتياد -حليفهم السابق- الجنرال البنمي مانويل نورييغا وحكمه أربعين عاماً، ثم إطلاق سراحه بعد ذلك -لحسن السيرة والسلوك-، هو ليس سكوتًا مريبًا، بل هو سكوتٌ نابعٌ من حرص كل لاعب دولي على منزله الزجاجي الهش، حيث لا يريد أن تصيبه حجارة العم سام وتحطم جدرانه.

لم تطبق أمريكا طيلة حياتها القانون الدولي، وفي ولاية ترامب الأولى والثانية هددت بمقاطعة الهيئات الدولية وانسحبت منها وقطعت التمويل عنها. فهو يريد قانونًا دوليًا مطاطًا يناسبه وقت الحاجة، وهو في حالة مادورو قانون ضعيف ولن يُطبق بأي حال، فهل التوصيف القانوني لحالته: أسير حرب أم مختطف أم متهم؟ وإذا سلّمنا بتوصيفه أسير حرب، فهل سيحاكم مادورو ضمن المحاكم الدولية المختصة أم ستحاكمه أمريكا بدون الانصياع لمجلس الأمن إذا ما قرر عقد جلسة للبت في هذا الاختطاف؟

إن إعلان المحكمة الدستورية نائب الرئيس مادورو قائمًا بأعمال الرئيس خطوة لسد الفراغ الرئاسي، لكن هل سيكون سندًا في حل أزمة مادورو أو مساهمًا وداعمًا قويًا في حل الأزمة التي تتداعى تبعاتها دوليًا، أم سيكون إعلانًا يترتب عليه الخنوع للحدث والدوران في فلكه تجنبًا لنفس المصير؟

حرية مادورو قبل قتله أو الحكم بقتله هو امتحان قاسٍ، سيحاكم ضمائر العالم الذي يدعي الحضارة والديمقراطية والحرية والعدالة، سهل قولاً لكن تطبيقه يبدو مستحيلاً لأن التدخل في المقام الأول غير قانوني ولم يتم استجابة لظرف قانوني ولا لطلب دولي، إنما كان هرولة باتجاه الذهب الأسود، فهي هرولة تصاعدت منذ احتلال العراق وتدمير ليبيا ونهب خيرات القارة السمراء، هرولة لا بد من كبح جماحها حتى لا توغل في التفنن في التدخل السافر في شؤون الدول الحرة.

 

 

 

 

كلمات مفتاحية::
Loading...