بمناسبة الذكرى الحادية والستين لانطلاقة حركة فتح

-1-
الانطلاقة والمهام
العودة إلى لحظة التأسيس والانطلاقة تبين الفرق الشاسع بين الأهداف المعلنة قبل سبعة عقود ونيف، وبين أهداف حركة فتح الراهنة والمستقبلية. ومحورها مهام بناء دولة فلسطين في إطار الشرعية الدولية والمرجعيات القانونية، بالمقارنة مع الأهداف الأولى الساعية إلى تحرير الوطن من الكيان الصهيوني، وإقامة جمهورية ديمقراطية علمانية.
بين بدايات الماضي والواقع الراهن جرت مياه جارفة ودماء غزيرة، وما زالت الحالة الفلسطينية نازفة، والأفق مفتوح على احتمالات معلنة من الجانب الإسرائيلي، بينما تحاول السلطة الوطنية الوصول إلى نقطة توازن تنهي مخاطر التهجير والضم والتهويد ومحاولات التصفًية النهائية للمسألة الوطنية.
هذا الواقع المعاش الآن في قطاع غزة والضفة الغربية يفترض مهام مباشرة تضع الإنسان الفلسطيني أولًا في حالة تمكنًه من البقاء على قيد الحياة واستمرار الوجود الإنساني والمجتمعي في أرضه، حتى يتمكن من مواصلة صموده.. صموده ليس إلا..
تلك المهام السالفة الذكر، عندما نقارنها بشعارات أهل "الإسلام السياسي" وأهل "اليسار القومي،" ندرك الابعاد الخطيرة لأزمة العقل الفلسطيني الراهنة، كما ندرك أيضًا طبيعة المهام التي تنتظرنا في المرحلة المقبلة، حتى نتمكن من الانتقال إلى خانة الفعل السياسي على المسرح الإقليمي والدولي. في لحظة تعيش البشرية جمعاء جنون العظمة، وتطرّف الاتجاهات الأكثر وحشية، والأكثر قدرة على القتل الممنهج والتدمير الشامل.
إن الاحتفال بلحظة البدايات، وظيفته اولا المكاشفة النقدية الذاتية وقراءة في طبيعة التحول النوعي الشامل للمهام التي على حركة فتح التصدي لها في قادم الأيام. ووظيفته أيضًا استخلاص عِبر التجربة من أجل انتاج خريطة طريق راهنة ومستقبلية على قاعدة تشاركية واسعة وليس بالإملاء والتكليف فقط.
بين السلطة وفتح
في خبرة المؤتمر السادس للحركة، المنعقد في بيت لحم عام 2009، حَصَل أنه سُحب التقرير السياسي الموزَّع من اللجنة التحضيرية لصالح نسخة جديدة معدَّلة، قبل وقت قصير من انعقاد المؤتمر. ومن اطّلع على التقرير الأول بالمقارنة مع النسخة الثانية، يدرك أن ثمة تراجعًا في عدّة مواقع لصالح نصوص ومواقف كان أبرزها العودة إلى تعريف المرحلة على أنها مرحلة تحرر وطني، ما عكس استمرارية الخطاب القديم المنتمي إلى عالم القطبين ودول عدم الانحياز وحركات التحرر، على حساب مضامين سياسية حملتها النسخة الأولى تتماهى مع تطور الحالة الفلسطينية باتجاه تعريفات أقرب لتوصيفها بما هي حركة استقلالية ومهامها المركزية بناء الدولة المستقلة.
وهكذا حُسم الجدل مجددًا لصالح فلسفة حركات التحرر، في الوقت الذي انتقلت فيه الحالة الفلسطينية إلى تموضع استراتيجي جديد، بعد انتفاضة الحجارة وإعلان وثيقة استقلال فلسطين عام 1988. بينما تتطلب مهمة بناء الدولة في إطار القوانين ذات الصلة بحق تقرير المصير لشعبنا إعادة صياغة حركتنا الوطنية باعتبارها حركة استقلالية تستند للقانون الدولي والقانون الإنساني الدولي. وهذا هو مصدر قوتها في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، أي حركة نضالية تسعى إلى تحييد القوة العسكرية وإبطال مفعولها كما حصل تمامًا في انتفاضة الحجارة، حيث حققنا انتصارًا نوعيًا على دولة إسرائيل من خلال تحييد جيشها وقواها القمعية. وهذا ما يُفسر حتى الان تباين المنهجيات الجديدة للسلطة الوطنية وتعارضها احياناً مع الإرث النضالي للحركة بما هي الحامل الحقيقي لمشروع الدولة وبتعبير آخر "حزب السلطة".
أعتقد أن هذه المقاربة تستحق النقاش على مستوى حركة فتح الآن، من أجل ردم الفجوة بين منطقين وأسلوبين للعمل في الخطاب السياسي والممارسة السياسية، ومن أجل إنتاج توازن جديد وراسخ للحركة يمكنها من إطلاق مبادرات سياسية يومية ومتواصلة، تزود بها تيارها الجماهيري، وهو ما زال التيار المركزي والرئيسي على مستوى الوطن والشتات.
إن اللحظة الراهنة هي أكثر لحظة تتطلب مبادرات سياسية كبرى منتظمة وذات إيقاع متناغم مع مصلحة الناس، حتى تعود حركة فتح رافعة لنضالنا السلمي من أجل الدولة، كما كانت رافعة للثورة في زمن الكفاح المسلح.
إن المهام المعقدة لبناء الدولة في المسرح العالمي الأحادي القطب، هي أشد صعوبة من أي عمل عسكري-عنيف، لا يكلف إلا التضحية بالمقاتلين والمدنيين معًا وهذا ما حصل ويحصل في غزة حتى الآن.
بينما برهن شعبنا على قدراته الكبيرة في البناء والتطوير والتحديث منذ عام 1993 حتى لحظة انقلاب حركة حماس على الشرعية، رافعة راية العنف بعيدًا عن أي هدف سياسي مباشر يخدم مصلحة الناس، وها هي تجربة "طوفان الأقصى" قد دمرت كل ما تم بناؤه، ومكّنت الإسرائيلي من استخدام كامل قوته القمعية في حرب الإبادة المستمرة .
وبعد كل ما شهدته العين وسمعته الأذن في غزة والضفة ولبنان... لا أدري إذا كان ثمة كادر فتحوي ما زال تُطرِبَهُ أنغام العنف والعنف المضاد، ولم يُدرك بعد أن قادتنا منذ عقود غادروا ذاك المربع إلا أقلهم، وأن مستقبل شعبنا رهن بالقدرة على بناء سياسات حداثية جديدة ومتطورة، وتلك هي مهمة فتح هذا العام الجديد.