العالم العربي ومشاريع إعادة هندسته جيوسياسياً

 

 

 

 

في السنوات الأخيرة تتكشف أمامنا صورة مؤلمة ودامية لمعاناة واسعة في عدد من البلدان العربية، من فلسطين إلى سوريا واليمن والعراق وليبيا والسودان، حيث تتصاعد النزاعات الداخلية والحروب الأهلية والمجازر بحق المدنيين، في ظل تدخلات خارجية تُسوق أحيانًا كـ"دعم" أو "استقرار"، في حين أنها في حقيقتها جزء من لعبة جيوسياسية كبرى تُعيد رسم خارطة المنطقة العربية وفق تصورات وإستراتيجيات دولية وإقليمية، منها ما تروج له بعض الدوائر الغربية تحت مسمى "الشرق الأوسط الجديد" أو ضمن برامج المحافظين الجدد في الولايات المتحدة وغيرها من القوى الكبرى. إن تحليل ما يجري يتطلب قراءة عميقة لمصالح الدول الكبرى، ولأدواتها في المنطقة، ولنتائج التدخلات التي طالت النسيج الاجتماعي والسياسي لهذه الدول.

في فلسطين، يتواصل الصراع مع إسرائيل الذي يعد من أطول الصراعات المستمرة منذ عام 1948، وقد شهد بعد هجوم 7 أكتوبر 2023 وما تلاه من حرب إسرائيلية على غزة تصعيداً جديداً في العنف والمعاناة الإنسانية. هذه الحرب لا تُفهم بمعزل عن الدور الأميركي والدعم العسكري والسياسي الذي توفره واشنطن لإسرائيل، وهو دعم جعل القضية الفلسطينية في موقع تهميش متزايد في السياسات الأميركية في المنطقة، وسط حديث غربي عن اتفاقيات ومحاولات لإعادة الهيكلة السياسية للمنطقة على حساب الحق الفلسطيني. الضفة الغربية وقطاع غزة في حالة مأساوية إنسانية متواصلة حصار وتشريد ومصادرة اراضي وتكثيف الاستيطان.

وفي سوريا، منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 2011، انخرطت قوى عالمية وإقليمية في الصراع، مما حوله إلى ساحة لتصفية حسابات ومصالح، ليس فقط بين النظام والمعارضة، بل بين دول إقليمية كتركيا وإيران والخليج، ودول كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا، التي دعمت النظام السوري لمواجهة جماعات المعارضة المسلحة. هذه التدخلات أمدت النزاع بوقود طويل الأمد، وعمقت الانقسامات الداخلية وأضعفت الدولة المركزية، مما جعل من سوريا قطعة من رقعة الشطرنج الكبرى في الشرق الأوسط. 

اليمن مثال آخر على الحرب بالوكالة، التي استمرت لسنوات طويلة وانعكست بشكل مدمر على اليمنيين. الصراع الذي بدأ كخلاف داخلي بين الحكومة المعترف بها دولياً والحوثيين، تحول إلى حرب إقليمية تدخل فيها تحالف تقوده السعودية والإمارات من جهة، وإيران من جهة أخرى عبر دعمها للحوثيين بدرجة متفاوتة. الغارات الجوية والقصف واليمنيين المحاصرين في ظروف إنسانية قاسية يعكسان ليس فقط صراعاً داخلياً، بل صراع نفوذ إقليمي تتشابك فيه مصالح دول متعددة، لكل منها أهدافها الخاصة. 

أما العراق، رغم هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، فإن البلاد لم تخرج من دائرة العنف والتدخلات. ما بعد 2003 شهد تفككاً أمنيا واجتماعيا كبيرا، أدى إلى استقطابات طائفية ومليشيات مسلحة، وكانت تدخلات أميركية وإيرانية من أهم عوامل استمرار الجدل حول مستقبل العراق، الذي يجد نفسه بين محورين متنافسين في المنطقة، مع تأثيرات مباشرة على السياسة الداخلية والأمن. 

ليبيا كذلك، غدت رمزا لفشل التدخلات الخارجية في تحقيق الاستقرار، فقد انهارت الدولة بعد التدخل العسكري في 2011، وما تلاه من صراع بين حكومتين متنافرتين وميليشيات مسلحة متعددة، دخلت في لعبة دعم من أطراف إقليمية ودولية، ما أضاف لفوضى السلاح وللانقسامات الاجتماعية في المجتمع الليبي. 

 والسودان من جانبه فقد دخل النزاع بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع في 2023، وتحول إلى حرب تسببت في مئات الآلاف من القتلى والمشردين، مع تورط قوى إقليمية في دعم أطراف متنازعة بهدف السيطرة على الموارد والموقع الجيوسياسي. ويوصف النزاع في السودان بأنه امتداد لسياسات "استعمارية جديدة" أو تدخلات تسعى لاستغلال وضع الدولة الضعيف، وتحويلها إلى ساحة نفوذ وإعادة تقسيم سياسي. 

كل هذه الحالات وغيرها تعكس ظاهرة أوسع: النزاعات المسلحة في العالم العربي ليست مجرد شؤون داخلية بمعزل عن القوى الخارجية، بل هي جزء من شبكة معقدة من التدخلات التي تلعب على أوتار الانقسامات الداخلية لضخ مزيد من النفوذ والسيطرة. الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تسعى إلى إعادة ترتيب الشرق الأوسط على أسس جديدة تُضعف التهديدات لإسرائيل وتحقق مصالحها وشركائها، من خلال تحالفات جديدة تشمل بين دول خليجية وإسرائيل، في محاولة لإقامة "نظام إقليمي" يضمن النفوذ الأميركي. 

إن هذه السياسات مرتبطة بما كان يُعرف بـ"المحافظين الجدد" في الولايات المتحدة، وهي مدرسة فكرية دافعت سابقا عن تدخلات عسكرية لتغيير الأنظمة التي تُعتبر معادية للمصالح الأميركية، واستبدالها بأنظمة موالية. وإن كان الخطاب الرسمي قد تغير، فإن سياسات القوة لا تزال تؤدي إلى نتائج مماثلة: تدخلات عسكرية، دعم فصائل مسلحة، وإعادة تقسيم نفوذ الدول الكبرى على حساب سيادة الدول العربية واستقلال قراراتها.

ما يربط بين هذه النزاعات المختلفة هو أن القوى العالمية الكبرى لا تتدخل فقط بدافع مكافحة الإرهاب أو نشر الديمقراطية، كما تروج بعض الخطابات الرسمية، بل تسعى إلى خلق واقع جيوسياسي جديد يخدم مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، خاصة فيما يتعلق بالسيطرة على الموارد الحيوية مثل النفط والغاز، ومسارات التجارة، والتحكم في التحالفات الإقليمية. هذا ما جعل المنطقة العربية ساحة لتنافس نفوذ دولي، بدل أن تكون مساحة للنمو والتنمية والتعاون بين شعوبها. 

أثر هذه الحروب بالوكالة على المجتمعات العربية لا يقتصر على الخسائر البشرية فحسب، بل يمتد إلى تفكك النسيج الاجتماعي، وانهيار الاقتصادات، وتراجع الخدمات الأساسية، ونشوء أجيال جديدة في ظل العنف وعدم الاستقرار. كما أنه يفتح الباب أمام مزيد من التطرف والإحباط بين الشباب الذين يرون مستقبلهم مقيدا بدورات من النزاع والفقر. وفي هذا السياق، فإن قراءة ما يجري كجزء من مخطط مفاهيمي لإعادة رسم خارطة النفوذ ليست مبالغة إذا ما ربطنا بين التدخلات الخارجية واستدامة النزاعات الداخلية. 

إن مسؤولية العالم العربي في هذا المسار ليست فقط في مواجهة التدخلات الخارجية، بل في إعادة بناء مؤسسات سياسية قوية تعبر عن إرادة الشعوب، وتعمل على تعزيز العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية، بعيدا عن أدوات العنف والتقسيم. يتطلب ذلك رؤية سياسية جديدة تتحرر من التبعية، وتعمل على توحيد الجهود لمواجهة التحديات المشتركة، وليس الانجرار وراء تقاطعات المصالح الخارجية التي لا تنتهي إلا بتدهور أوضاع الشعوب. إن استعادة القرار الوطني وتفعيل مؤسسات الدولة الحقيقية، بدلاً من الفوضى والميليشيات، هو الخطوة الأهم لاستعادة كرامة الأمة العربية وإمكاناتها في المستقبل. 

ما يجري في فلسطين وسوريا واليمن والعراق وليبيا والسودان هو جزء من سياسة نفوذ أوسع تُدار من قبل قوى إقليمية ودولية تسعى لتحقيق أهدافها على حساب إرادة الشعوب العربية. والأمل الحقيقي في الخروج من هذه الدوامة يبدأ حين يعيد العرب بناء مؤسسات قوية ومستقلة تحمي مصالحهم وتحقق تطلعات شعوبهم في الحرية والكرامة والعدالة.

 

 

Loading...