السلام بالقبضة الحديدية

 

 

 

كل شيء في العالم ملتهب مؤامرات وصراعات وحروب وتحولات جيوسياسية خطيرة ولن تهدأ طالما هناك قوى تمارس البلطجة والانحطاط الأخلاقي وتسوق رؤيتها الخاصة للعالم بتقديم أمنها القومي كأولوية ولو كان على دماء وجثث الأخرين، فالحروب ضرورة للسيطرة والهيمنة على منابع الطاقة والثروات ومقدرات الشعوب ومواجهة خطر القوى الصاعدة، سوريا ولبنان واليمن وإيران وفنزويلا ملفات تتصدر المشهد بغفلة مقصودة عن غزة، حرب إسرائيل ما زالت مستمرة في غزة التي شهدت سقوط النظام الدولي والأمم المتحدة والقانون الدولي، متى كان هناك قانون دولي وآلاف المنكوبين في غزة يموتون وهم يطاردون رغيف الخبز ويبيتون في العراء بعد أن طارت خيمهم.

مازلنا نترقب مفاجآت ترمب والأحداث تتزاحم ولا يمكن فصلها فخيوطها بيده، ترمب ملك الاستعراضات يفعل ما يشاء "أنا أمريكا أنا العالم"، وأمريكا تنادي "أنا ربكم الأعلى فأطيعوني"، فهذه أمريكا لا امبراطورية تشبهها ولا امبراطورية قبلها ولا بعدها، السيطرة الأمريكية المطلقة اقليمياً وعالمياً وتثبيت قيادتها للعالم كقطب وحيد وعرقلة تقدم أي منافس، فنحن أمام حالة أمريكية تعبر عن المسار الجديد لاستراتيجية الدولة العظمى الخارجية في عدة ملفات لمواجهة خصومها، مبدأ مونرو لا يعني أن أمريكا تريد الانعزال وانما تريد السيطرة على الأمريكيتين نطاق نفوذ صرف وحصري لأمريكا وهي ممنوعة على أي قوة عالمية أوربية أو غير أوربية بعد أن باتت الصين أكبر شريك تجاري لأمريكا اللاتينية وهو ما ترفضه أمريكا؟؟، فكل محاولاتها هي لجم التنين الصيني الذي يسيطر على أمريكا اللاتينية عبر فنزويلا أهم مورد للنفط الصيني والبرازيل من خلال مجموعة البريكس الدولية المؤثرة عالمياً.

ترمب لا يحارب ولا يريد حروب أو احتلال وتدخل جيوش ولكنه يفرض السلام بالقبضة الحديدية تصور جديد لمفهوم السلام التي تعتمد على قطع الرأس السياسي لأي دولة تعارض السياسة الأمريكية بعد تشديد الحصار الاقتصادي وتفعيل المعارضة الداخلية، وبعدها تشظي النظام من الداخل دون أي تكلفة وفرض الهيمنة وتفتيت الدولة ووضع قاعدة عسكرية بكل جزء وحاكم مطيع وهذا ما طبقه فعلياً في فنزويلا، وسيطبقه لاحقاً في كوبا وكولومبيا شكل جديد للاستعمار غطاءه مبدأ مونرو لابتلاع الجغرافيا بأمريكا اللاتينية الحديقة الخلفية لواشنطن وتحويلها إلى "جمهوريات الموز" وفق التعابير الأمريكية، واستخدام الفصل السابع لاحتلال الشرق الأوسط وتتويج نتنياهو ملكاً عليه هذا "الشعار المافاوي"، لا روسيا ولا الصين ستحميك لم ولن تتدخل في مقابل صمت أمريكي عندما تعيد الصين تايوان "فأمر تايوان متروك للصين والرئيس الصيني يمكنه أن يفعل ما يريد"، وأوكرانيا لروسيا، فهذه مرحلة تقسيم النفوذ بين أمريكا وروسيا والصين. 

بدأ ترمب عامه بعملية استعراضية هوليودية لترمم الانهيار الاقتصادي الداخلي، عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو بمشاركة أكثر من 150 طائرة أمريكية F35 F22، لم يقتله محاولة لإهانة الشعب الفنزويلي واذلاله، لا حرب أمريكية عسكرية في فنزويلا والا خسرها!! التاريخ يقول أن التدخلات العسكرية والانقلابات المدعومة من أمريكا تؤدي إلى كوارث تحصد حياة الآلاف وتدمر الدولة كما في العراق وأفغانستان وليبيا وسوريا، لكن بتكلفة باهظة لها بالأرواح والعدة والهيبة دفعها للهروب فأمريكا ليست بالقوة التي نراها وقد أثبتت فشلها في فيتنام وأفغانستان والعراق، انما بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي هيمنة جوية بتقنيات الحرب الالكترونية حيث بات التشويش والتحكم في الطيف الكهرومغناطيسي جزءاً محورياً من الاستراتيجيات الدفاعية والهجومية في الحروب، والاعتماد على الخيانة فنائبة مادورو أصبحت رئيساً لفنزويلا!! وقد أعلنت الطاعة والنفط الفنزويلي لترمب وسيتم توزيعه وفق مصالحه، ها هو يعلن حالة الطوارئ الوطنية لحماية عائدات النفط الفنزويلية. 

القبضة الحديدية سيطبقها للسيطرة على أهم الممرات البحرية باب المندب ومضيق بنما وحتى مضيق هرمز عبر الضغط على إيران، إيران باتت دولة مارقة خرجت عن طاعته، يسعى ترمب لإزالة النظام الإيراني بتغيير الرأس وليس تغيير الدولة وهو نموذج شبيه بنموذج فنزويلا، والتغلغل داخل النظام نفسه ليتمكن من خامنئي مقابل صفقة عدم سقوط الدولة فهل هناك قيادات إيرانية ستستجيب لمخطط أمريكا؟؟، تظاهرات إيران لإسقاط النظام داخلياً وتهديدات ترمب لحماية المتظاهرين حامل رسالة السلام والانسانية نثر المحبة على أطفال غزة ونساءها، في سوريا صراع مستمر وقصف يومي ووضع شديد الاضطراب ينذر بحرب قريبة جداً في لبنان واليمن حرب بين دول وجماعات مسلحة وصراع نفوذ عالمي بلغ ذروته وهنا لا يمكن اغفال اجتماع ترمب ونتنياهو الأخير حيث وضعت اللمسات الأخيرة على التشكيلات الجيوسياسية التي تعتمد على اسقاط الأنظمة للدول المعادية.

ترمب بطل يهدد وينفذ فوراً إنزال جوي على سفينة روسية لفرض السيطرة على المحيط الهندي والمحيط الاطلسي وبعدها يكون العالم خاضع لأمريكا!! لا علم ولا سيادة مفتوح للجميع اليوم النفط الفنزويلي وغداً دولة أخرى، قرصنة دولية برعاية أمريكية وترمب يتجاوز الخطوط الحمراء الأكثر خطورة وهي المحيطات لفتح مواجهة مباشرة بين قوى نووية، روسيا تراقب بحذر!! تجسد بتصعيد غير مسبوق على كييف بصواريخ اوريشينك برؤوس نووية برسالة موجه لترمب ولأمريكا وأوروبا، تزامنت بمناورات عسكرية مشتركة بين روسيا والصين وإيران وجنوب افريقيا ضمن إطار مجموعة البريكس لحماية الممرات البحرية، بعد احتلال فنزويلا وتهديد إيران لن يبقى للصين الا الالتفاف عبر جنوب افريقيا.

ترمب يريد أمريكا عظيمة مجدداً وطموحاته الجيوسياسية بأوروبا والسيطرة على غرينلاند المصنفة أمن قومي لأمريكا والممرات القطبية في كندا وفنلندا ولاحقا النفط النرويجي بوابة لاحتلال القطب المتجمد الشمالي، لا يريد المنافسة الصينية والروسية حيث الثروات والممرات فالصراع على الطاقة والممرات والتكنولوجيا بين أمريكا وكل قوى العالم بلغ ذروته، محاولة أمريكا السيطرة على ممرات العالم بالطرق العسكرية تغرق نفسها بسلسلة صراعات مفتوحة من أمريكا الجنوبية إلى نيجيريا إلى غزة إلى التصعيد في إيران، لا لحرب عالمية حالياً بل صفقات سياسية لتقسيم النفوذ بين القوى العظمى وأوروبا خارج المعادلة، ف سياسات ترمب تضعف أوروبا وتقسم الغرب وهذا الشيء سيخدم روسيا والصين، ترمب كسر كل الحواجز والأعراف والمؤسسات الدولية ونفذ شعار القوي يفعل ما يريد على المدى الآني، ولكنه على المدى الاستراتيجي سيجعل شعوب العالم تقف بمواجهته، فهل نشهد مواجهة بين أمريكا وأوروبا؟!

 

Loading...