قراءة نقدية للمادة ٢/١٦ من قانون انتخابات الهيئات المحلية المُعدل بقرار، ودعوة لإعادة النظر فيه

 

رغم أن التعديلات الأخيرة لقانون انتخابات الهيئات المحلية التي جاءت بقرار بقانون أتت ببعض البنود الإيجابية، مثل تخفيض سن الترشح إلى 23 عاماً الأمر الذي يتيح مشاركة أوسع لقطاع الشباب العام لمجتمعنا، ورفع نسبة تمثيل المرأة تماشياً مع دورها بالمجتمع الفِلسطيني، واعتماد نظام القائمة المفتوحة الذي يُتيح للناخب ترتيب من يختارهم داخل القائمة التي يُصوت لها. إلا أن المادة ١٦/٢ من القانون بقرار تمثل انتكاسة ديمقراطية تقوض حقوق المواطنة وحرية الفكر والاعتقاد، وتخالف كل المواثيق الوطنية الدستورية، بدءًا من الميثاق الوطني، مروراً بوثيقة إعلان الاستقلال وصولاً إلى النظام الأساسي المُعدل، كما إلى التزامات دولة فلسطين بالعهد الدولي لحقوق الإنسان .

إن ما جاءت به المادة ١٦/٢ من القانون بقرار ينتهك جوهر الحقوق والديمقراطية الأساسية، إذ يربط الانتخابات للهيئات المحلية بمسألة لا علاقة للمواطن بها مباشرة، وهي الالتزامات الدولية للدولة أو لمنظمة التحرير أو بقرارات الشرعية الدولية التي تتعرض للانتهاك والتقويض اليومي من جانب الاحتلال والولايات المتحدة وإلى ازدواجية المعايير والنفاق السياسي من جانب الممولين إن كان من الإتحاد الأوروبي أو غيرهم.

ورغم أن الشرعية الدولية في شأن قضيتنا التحررية تبدأ من القرار ١٨١ الأممي كما والقرار١٩٤، ولا تقتصر على انتقائية حول مفهوم الشرعية الدولية كما تريدها الولايات المتحدة باشتراطاتها. فإنه ومن جانب آخر وسنداً للميثاق الوطني لمنظمة التحرير فإن كل فلسطيني بلغ الثامنة عشرة من عمره هو عضو طبيعي في منظمة التحرير الفلسطينية، فلا يجوز وفق نص المادة ٢/١٦، أن تُخضَع مكانة المنظمة العُليا لاستفتاء غير مباشر ضمن تعهدات مطلوبة من مرشحين لمجالس بلديات خدماتية وتنموية، خصوصاً في ظل واقع المشاركة المنخفضة في هذه الانتخابات عادة، الذي لم يتجاوز معدل ٤٠% من أصحاب حق الاقتراع كما هو الحال بالدورة السابقة قبل أربع سنوات .

إضافة إلى ذلك، فإنه لا شأن للمواطن بالالتزامات الخارجية والدولية للدولة أو المنظمة، فهذه مسؤولية الدولة والمنظمة والحكومة التي تُبرم تلك الاتفاقيات بشأن الالتزامات الدولية وحدها في علاقاتها المتعددة أو الثنائية، وقد يختلف معها أي مواطن، كما هو معمول به في كافة دول العالم دون شرط الالتزام بها، وألا فكيف تكون هنالك معارضة سياسية حتى ولو برلمانية بشأن سياسات الحكومة والتزاماتها. فهل يُطلب على سبيل المثال لا الحصر من المواطن الأردني أو المصري أن يتعهد بالموافقة على اتفاقية "وادي عربة" أو "كامب ديفيد"  لو كان مرشحاً لانتخابات برلمانية أو بلدية؟ أو هل مطلوب من كل مواطن الموافقة والتعهد بقبول اتفاق أوسلو وملحقاته على سبيل مثال آخر؟ 

إن ربط الترشيح للانتخابات المحلية بموقف المواطنين من أي التزامات للدولة أو الحكومة القائمة وهذا حق لها، التي تتغير في حال سريان الانتخابات التشريعية المفترضة دورياً وفق القانون والتي غُيبت لعقدين مضوا، يشكل انتهاكاً مزدوجاً للديمقراطية، أولاً عبر تقويض عضوية المواطنين الطبيعية في منظمة التحرير، وثانياً عبر تحميلهم مسؤوليات والتزامات ليست من شأن اختصاصهم كأفراد  .

إن هذا التعديل بالمادة ١٦ المذكورة الذي جاء بقانون بقرار لم تتضمنه مسودة القانون المُعد في وزارة الحكم المحلي بعد سلسلة من جلسات الحوار مع المجتمع الأهلي وقوى منظمة التحرير، ولا بما تم إقراره في مجلس الوزراء بقراءته الثالثة من صيغة له قبل رفعه إلى السيد الرئيس لاعتماده وإقراره بقرار بقانون. إن القرار بقانون المشار إليه يحول مجالات العمل في هذه المجالس من كونها منصات لخدمة المجتمع وتنميته وتعزيز المشاركة المجتمعية الواسعة في شؤون المدينة والقرية، إلى أداة لإخضاع المواطنين لمواقف سياسية من الالتزامات والاتفاقيات الدولية خارج نطاق اختصاصهم أو لدورٍ سياسي غير مفترض لتلك الهيئات المحلية. كما أنه يُفرغ الانتخابات المحلية من معناها الحُر، ويعيد إنتاج منطق الإدارة بدل المشروع الوطني بما لا يحمي التعددية، وفق ما نبهت إليه جميع المواثيق الوطنية.

وفي هذا السياق، يجب التأكيد أن أي محاولة لفرض استفتاء أو التزام حول  سياسات الدولة الخارجية على الناخبين المحليين للهيئات، لا تتوافق مع القانون الأساسي والمواثيق الوطنية، ولا مع المبادئ الديمقراطية الدولية التي تحمي حقوق الأفراد في التعبير عن الرأي والمشاركة دون إلزامهم بآراء أو مواقف تتجاوز صلاحياتهم من الحقوق والواجبات الأساسية.

إن المطلوب اليوم هو إعادة النظر وتعديل هذا النص من المادة ٢/١٦  لضمان حماية الحقوق الديمقراطية للمواطنين كافة دون تمييز، وفصل الانتخابات المحلية عن أي التزامات لا تخصهم، مع الحفاظ على المكتسبات الإيجابية التي جاءت بها التعديلات، مثل تعزيز مشاركة الشباب والمرأة، واعتماد نظام القائمة المفتوحة والتي يا حبذا لو ارتبطت أيضا بالانتخاب المباشر لرئيس البلدية / الهيئة المحلية بدل أن يَخضع هذا الموقع لاحقاً لتوازنات داخل الهيئة المنتخبة قد لا تعكس رغبة الناخبين.

ومن ناحية قانونية أخرى، فإن القانون المعدل قد عالج اليوم مسألة انتخاب رئيس المجلس البلدي، في حين لم يعالج أمر انتخاب رئيس المجلس القروي، الأمر الذي يستدعي الانتباه لذلك وإعادة تعديل القانون مرة أخرى، حيث النص ناطق بما فيه.

إن المسار الديمقراطي الحقيقي لا يبدأ ويقف عند صناديق الاقتراع، بل يتحقق حين يتم احترام مكانة المواطن وحقوقه الطبيعية، وحين نُحافظ على كل فلسطيني عضواً طبيعياً في منظمة التحرير الفلسطينية دون أي قيد أو شرط إضافي وعلى استقلالية القرار والمشروع الوطني التحرري الفلسطيني بعيداً عن الإملاءات والاشتراطات الخارجية.

لقد كان من الأفضل تأجيل هذه الانتخابات والتعديلات على القانون بقرار إلى حين إقرار دستور دولة فلسطين وانتخاب المجلس الوطني وإقرار قانون الأحزاب، وتمديد فترة عمل الهيئات المحلية لحين ذلك.

ويبقى السؤال هنا، هل تلتزم الأطراف الدولية التي تحاول فرض اشتراطاتها علينا وعلى صيغة قوانينا، بالشروط الواردة بالقانون نفسه، بل حتى بمكانة منظمة التحرير أصلاً وبالشرعية الدولية وقراراتها وبحق تقرير المصير لشعبنا وهو ما يُشكل أساس ميثاق هيئة الأمم المتحدة؟ 

 

 

 

 

Loading...