الوجه الآخر للسيطرة على غزة

 

 

 

في السياسة، نادرا ما تكون الوقائع الكبرى نتاج الصدفة، ونادرا ما تأتي "الحلول" بعد الكوارث من دون أن تكون جزءًا من مسارها. ما جرى في غزة، وما يطرح اليوم بشأن إدارتها، يندرجان ضمن هذا المنطق القاسي: غزة لم تدمر عن طريق الخطأ، ولم تطرح الوصاية عليها فجأة بدافع إنساني خالص، بل جرى تدميرها ضمن سياق، وتطرح إدارتها اليوم ضمن السياق ذاته.

في السادس عشر من كانون الثاني/يناير 2026، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تشكيل مجلس لإدارة قطاع غزة، تحت عنوان إعادة الإعمار وتنظيم شؤون السكان. للوهلة الأولى، قد يبدو الإعلان استجابة طبيعية لكارثة إنسانية غير مسبوقة، أو محاولة لملء فراغ إداري بعد دمار شامل. لكن النظرة المتأنية تكشف أن المسألة أعمق وأخطر من مجرد إدارة مدنية أو جهود إعادة بناء. فالسؤال الجوهري ليس: من سيعيد إعمار غزة؟ بل: من دمرها، ولماذا، ولصالح من تدار اليوم؟

لا يمكن فصل هذا الإعلان عن حقيقة أن قطاع غزة تعرض لتدمير واسع النطاق بدعم أمريكي مباشر لإسرائيل، دعم شمل السلاح، والتمويل، والحماية السياسية في المحافل الدولية. الولايات المتحدة لم تكن شاهدا محايدا على ما جرى، بل كانت شريكا فعليا في تمكين آلة الحرب، وفي تعطيل أي مساءلة دولية جدية. وعندما يكتمل الدمار، تأتي واشنطن اليوم لتقول إنها ستشرف على "تنظيم حياة الناس". هنا، يتحول الإعمار من فعل إنساني إلى أداة سياسية، ومن استجابة للكارثة إلى استثمار فيها.

إن فكرة مجلس أمريكي لإدارة غزة تفتح الباب أمام سيناريو بالغ الخطورة: تحويل القطاع إلى مساحة خاضعة لنفوذ أمريكي مباشر، أو إلى نموذج من "الإدارة الدولية" المصممة وفق الرؤية الإسرائيلية والمصالح الأمريكية. ليست هذه سابقة في التاريخ الحديث؛ فقد شهدنا كيف تحولت مناطق منكوبة في أماكن أخرى إلى مختبرات للسياسات، حيث يعاد تشكيل المجتمع، والاقتصاد، وحتى الوعي الجمعي، تحت غطاء المساعدة وإعادة البناء.

الخطر لا يكمن فقط في من يدير غزة، بل في الكيفية التي ستدار بها. فالإدارة ليست عملية تقنية محايدة، بل فعل سياسي بامتياز. من يقرر أولويات الإعمار؟ من يحدد شكل الاقتصاد؟ من يرسم علاقة الناس بأرضهم، وبحدودهم، وبمستقبلهم؟ هل ستكون إعادة الإعمار وسيلة لتمكين الفلسطينيين من استعادة حياتهم وكرامتهم، أم وسيلة لإعادة إنتاج الحصار بصيغة أكثر “نعومة” وأقل صخبا؟

في ظل إشراف مجلس أمريكي محتمل، سيواجه الفلسطينيون في غزة واقعًا بالغ القسوة. فالتدخل الأمريكي، حتى لو روج له بعبارات إنسانية، لن يكون محايدا في تفاصيل الحياة اليومية. سيطال الكهرباء والماء، المعابر والوظائف، التعليم والإعلام، وربما حتى الخطاب السياسي المسموح والممنوع. الفلسطينيون، الذين خبروا عقودا من الاحتلال بأشكاله المباشرة وغير المباشرة، يدركون أن الأمر لا يتعلق بإشراف إداري عابر، بل بخطوة سياسية عميقة الأثر، قد تعيد صياغة علاقتهم بقضيتهم وبذواتهم.

غزة اليوم ليست مجرد مدينة مدمرة تبحث عن إعادة بناء، بل مجتمع جريح منهك يحاول أن يحافظ على معنى وجوده. في الأزقة المهدمة، وبين البيوت التي صارت ركاما، لا تزال هناك ذاكرة، وهوية، وإرادة حياة. هذه العناصر هي ما تخشاه المشاريع السياسية الكبرى، لأنها لا تقاس بالإحصاءات ولا تدار بالمجالس. حين تفرض إدارة من الخارج، يصبح الخطر الأكبر هو تحويل الإنسان من صاحب قضية إلى مجرد "مستفيد" من مساعدات، ومن فاعل تاريخي إلى ملف إداري.

ثمة مفارقة أخلاقية لا يمكن تجاهلها: كيف يمكن لجهة ساهمت في خلق الكارثة أن تتولى إدارة نتائجها؟ كيف يمكن لمن وفر الغطاء السياسي للقصف أن يدعي اليوم حرصه على كرامة السكان؟ هذا التناقض لا يمر على الفلسطينيين مرور الكرام. هم يرون في هذا التحول محاولة لإعادة تدوير الدور الأمريكي: من شريك في التدمير إلى راعٍ لإعادة الإعمار، ومن طرف منحاز إلى “وسيط” يدير الواقع الذي ساهم في صناعته.

ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا الواقع القاتم، لم تنطفئ آمال الفلسطينيين في غزة بالحرية. هذه الآمال لا تقاس بحجم الدمار، بل بعمق الإيمان بعدالة القضية. غزة التي صمدت في وجه الحصار والحروب، تعرف أن السيطرة على الأرض لا تعني السيطرة على الإرادة. وربما لهذا السبب تحديدا، تسعى القوى الكبرى إلى إدارة الحياة نفسها، لا الأرض فقط؛ لأن إدارة التفاصيل اليومية قد تكون الطريق الأطول، لكنها الأكثر فعالية، لإضعاف روح المقاومة وتحويلها إلى مسألة معيشية بحتة.

إن وضع غزة "تحت عين واشنطن ويدها" ليس تفصيلًا إداريا، بل إعلان مرحلة جديدة من الصراع. مرحلة لا تقوم فقط على القوة العسكرية، بل على الهندسة السياسية والاجتماعية. في هذه المرحلة، يصبح الخبز مشروطا بالهدوء، والإعمار مشروطا بالقبول، والمستقبل مشروطا بالتخلي عن الرواية الأصلية للصراع. وهنا، تكمن المعركة الحقيقية: معركة على المعنى، لا على الحجر فقط.

ما هو مطلوب اليوم ليس رفض الإعمار، فغزة بحاجة ماسة إلى إعادة بناء ما دمرته الحرب، لكن المطلوب هو رفض تحويل الإعمار إلى أداة وصاية. المطلوب أن يكون الإعمار جزءًا من مسار تحرري، لا بديلًا عنه. أن يبنى البيت من دون أن يسلب صاحبه حقه في الأرض، وأن ترمم المدرسة من دون أن يفرض على طلابها صمت سياسي قسري. ستبقى غزة أكثر من ملف دولي، وأكثر من مساحة جغرافية قابلة للإدارة. هي اختبار أخلاقي للعالم، ومرآة تكشف حقيقة الخطاب الإنساني حين يصطدم بالمصالح. 

 

 

 

Loading...