أمريكا.. يا لها من رحمٍ عقيم

 

 

 

لم تعد الجغرافيا السياسية تخضع لأي قيود بين القوى العظمى وأن الأقوياء بإمكانهم أن يفعلوا ما يشاؤون ترمب من على طاولة منتدى دافوس متحدياً حلفائه وأعدائه، أمريكا وما بعدها الطوفان "سنأخذ كل ما نريده" من أجل أمريكا، ترمب بجنون العظمة يستطيع فعل ما يريد وهذا يزيد تعمق الأزمات والانقسامات وتفكك المشهد السياسي، قمة دافوس جاءت مع بداية عامه الثاني من فترته الرئاسية التي وعد بها بإنهاء الحروب وفعلاً بعد محاولات صعبة نجح في ايقاف الحرب في غزة ومجلس الأمن تبنى خطته للسلام بقرار أممي وأسس مجلس السلام ومع ذلك لم يحصل على جائزة نوبل للسلام، "ففقد ترمب شعوره بالالتزام بالتفكير في السلام فقط"، فبدأ بخلط الأوراق والتخلي مجاهرة عن حلفاءه أوروبا وقسد اليوم، وغداً إسرائيل فهذه أمريكا، يا لها من رحم عقيم!!.  

الملفات الخارجية لم تكن كلها ملفات سلام ومفاوضات فقد حاصر فنزويلا واعتقل رئيسها، وتفجرت أزمة بين أمريكا وحلفاءها مع عودة مطالبة ترمب بغرينلاند الخاضعة للسيادة الدنماركية، والعالم لن يكون أمناً الا بعد سيطرت بلاده بشكل كامل على غرينلاند، استهدف ترمب البرنامج النووي الايراني والآن تشهد المنطقة استعدادات أمريكية عسكرية غير مسبوقة تحضيراً لتوجيه ضربة لإيران فالهدف الاستراتيجي الإسرائيلي لم يتحقق وهو اسقاط النظام الإيراني، إسرائيل ستقوم بشن هجوم عسكري على إيران هذا ما أكده حقان فيدان وزير خارجية تركيا، فمن يصدق أن إسرائيل هي من طلبت التريث بضرب إيران وهي التي تسعى لإسقاط النظام! ربما تحسباً من الغرق بالمستنقع الإيراني، إيران تعتبر أن الحرب واقعة وهي امتداد لحرب ال12 يوم وستكون حرب شاملة، والمفاجئة التي حصلت في الحرب السابقة لم يعد بالإمكان تكرارها اليوم، إيران لا يمكن اسقاطها من الخارج بسهولة لذلك قد نكون أمام خيارين اما أن يكون هناك ضربات تكتيكية لرفع منسوب التوتر الداخلي، أو تنفذ الضربات عشية الانتخابات الأمريكية لرفع حظوظ ترمب بالبقاء في البيت الأبيض، وفي ظل التقاطع بين الجنون الأمريكي والجنون الإسرائيلي، لنسأل عن مستقبل الفلسطينيين والشرق الأوسط عموماً؟

أي حل يستبعد الدولة الفلسطينية من مستوى صنع القرار يثير المخاوف بشأن عدالة هذا المفهوم وفعاليته، خطة ترمب لا تخدم السلام والمصالح طويلة الأمد في الشرق الأوسط والعالم، استبدل ترمب الأمم المتحدة بمجلس السلام بقرار امبراطوري أمريكي، وتوج نفسه ملكاً على غزة حتى لو انتهت ولايته الرئاسية ترمب امبراطوراً إلى الأبد في غزة وحق الفيتو له وحده، مجلس السلام الذي هدفه ارساء السلام في غزة الا أن غموض مهماته وأليات عمله وطريقة حكم الشرق الأوسط من خلاله، والجديد فرض على المشاركين مليار دولار من أجل اعادة الاعمار بغزة حسب المصالح الأمريكية والترمبية الخاصة، وميثاقه يتصور دوراً أوسع في حل النزاعات الدولية، مما أثار مخاوف قوى عالمية من أن يقوض دور الأمم المتحدة كمنصة رئيسية لحل النزاعات الدولية، ألم يسقط القانون الدولي أمام رغبات ترمب ما حصل في فنزويلا!!، حلفاء أمريكا الأوربيين فرنسا وبريطانيا امتنعوا عن المشاركة، والصين أكدت التزامها بمنظومة الأمم المتحدة، وروسيا تدرس العرض، الانقسامات الدولية المحيطة بمجلس السلام تؤكد على أهمية الأمم المتحدة التي لا غنى عنها، فإسقاط كل مكاسب النظام بعد الحرب العالمية الثانية وبعد الحرب الباردة وراءه مخاطر كبيرة جداً لا يدركها الامبراطور، ولكن عندما يطبق القانون الدولي بتفاوت بناء على هوية المتهم أو الضحية يجعل قانون الغاب يسيطر على العالم ونكون أمام حروب جديدة وبأشكال مختلفة، فهناك قرارات من الأمم المتحدة ومجلس الأمن لم تطبق منذ خمسينيات القرن الماضي لصالح فلسطين وكل القرارات التي تدين إسرائيل أوقفها الفيتو.

ترمب يرفع السقف إلى أقصى حد ثم يبدأ بالتراجع يريد ابتلاع غرينلاند رغم معارضة أوروبا وفرض عقوبات على فرنسا وبريطانيا وألمانيا وخمس دول أوربية لرفضه استحواذه عليها، والخوف ماذا بعد غرينلاند؟، اذا قبلنا بتسوية مهينة في غرينلاند ستكون الأمور أكثر صعوبة في المستقبل وكندا الولاية 51، أوروبا في مازق وجودي لا تعرف كيفية التعامل مع ترمب، بمزاج ترمب والتفرد باتخاذ القرارات فقدت أمريكا ثقة حلفائها الأوربيين فثمة قلق استراتيجي دفعهم لشراكة استراتيجية مع الصين كشريك تجاري موثوق، عندما يكون ترمب فالدبلوماسية لا تدار بالمصالح بل بالمزاج، يسحب دعوته لرئيس الوزراء الكندي للانضمام إلى مجلس السلام الدولي لمجرد أن الأخير انتقده.

ما نشهده هو بداية مرحلة انهيار قسرية فرضته اختلال موازين القوى التي لم تعد في صالح أمريكا ولا إسرائيل، فالمجتمع الإسرائيلي يعيش تصدعاً وجودياً وأخلاقياً والنظام الدولي في مرحلة انتقال وانفلات،  والاقتصاد الأمريكي المثقل بالديون والعصيان المدني والاحتجاجات الواسعة ضد سياسات ترمب مع ملف الهجرة واستخفافه بالهيئات الدولية، ولأول مرة بتاريخ أمريكا ولاية كاليفورنيا قررت الانضمام لمنظمة الصحة العالمية منفردة في تحدي لقرار ترمب بالانسحاب، تصريحات كبيرة وخطط واسعة ولكن تطبيقها على الأرض غير واضح، ترمب لن يذهب إلى غرينلاند وإلى أي مكان خارج البيت الأبيض مشكلة افتعلها ترمب مع الحلفاء والناتو ولن يكون هناك نهاية لها على ما يرغبه ترمب، الرغبة والواقع شيئان مختلفان، هنالك دعم مطلق للأكثرية الجمهورية على بعض الأمور ولكن غرينلاند وكندا ليس احداها، والرهان على الانتخابات النصفية، فضلاً عن دعاوى قضائية ضده ومن المتوقع يصدر قراراً من المحكمة العليا القضائية بإنهاء صلاحياته المطلقة بموضوع الجمارك، ربما يعيد ترمب ترتيب أوراقه التي تتعارض مع رؤية مؤسسات الأمن القومي الأمريكي وتوجهات الدولة العميقة تجاه حلفائها الأوروبيين، بما يخدم مصلحته في امتصاص الاحتقان في الداخل الأمريكي المؤيد لحرب أوكرانيا بعد فشله بإيقافها رغم محاولاته الكثيرة، ومراعاة تراجع الاقتصاد الأمريكي، والحشد للصراع والمنافسة مع خصومه الديمقراطيين خصوصاً عندما تصل الأمور إلى الانتخابات الأمريكية للكونغرس نهاية 2026 ومن المتوقع أن تنتقل الأكثرية النيابة في الكونغرس من الجمهوريين للديمقراطيين ويخسر ترمب هذه القوة الداعمة، يبدو ترمب لا يملك خيارات للنجاة بل كل السيناريوهات أسوأ من الأخر، فكيف يمكن التخلص منه قبل أن يشعل حرب أهلية في أمريكا وحرب قد تكون نووية في العالم؟؟.  

 

Loading...