
في ظهوره اللافت خلال الإعلان عن "مجلس السلام لغزة" على هامش منتدى دافوس، لم يكن جاريد كوشنر مجرد مبعوث أو صهر للرئيس الأمريكي ترامب، بل كان صوتا صريحا لمدرسة فكرية كاملة ترى في الجغرافيا سلعا، وفي الكوارث فرصا، وفي الشعوب أرقاما قابلة لإعادة الترتيب. تصريحات كوشنر، رغم ما غُلفت به من لغة "السلام" و"إعادة الإعمار" و"الازدهار الاقتصادي"، كشفت بوضوح عن النوايا الحقيقية لإدارة ترامب ولشريحة ضيقة من أباطرة العقارات الذين يقفون خلف الخطة، من أمثال كوشنر نفسه، وستيف ويتكوف، وترامب الذي لم يخف يوما هوسه بتحويل القضايا السياسية إلى صفقات عقارية كبرى.
إن ما طُرح في دافوس لم يكن تصورا إنسانيا لإنهاء حرب أو لإنقاذ شعب منكوب، بل كان مخططا لإعادة هندسة غزة سياسيا وأمنيا وتجاريا وديمغرافيا، وتحويلها من مساحة فلسطينية منكوبة إلى "ريفييرا شرق أوسطية" من عمارات زجاجية تطل على البحر، تقام فوق أنقاض قطاع دمر عن بكرة أبيه، وفوق ركام أسفله آلاف الشهداء المدنيين، وفوق آلام شعب طحنته الآلة العسكرية الإسرائيلية على مدى عامين بدعم أمريكي غير مسبوق. الحديث عن الريفييرا هنا ليس مجازا بريئا، بل توصيف دقيق لرؤية ترى في إطلالة شواطئ غزة قيمة عقارية هائلة، وتتعامل مع الحرب باعتبارها خطوة "تطهير عمراني" تسبق الاستثمار.
لغة كوشنر هذه كانت محسوبة، فهو لم يقل صراحة إن الفلسطينيين سيُجردون من أرضهم، لكنه أشار إلى ذلك ضمنيا عندما تحدث عن "فرص العمل"، و"الاندماج في الاقتصاد الإقليمي"، و"تحسين مستوى المعيشة". هذه العبارات، في قاموس المشاريع النيوليبرالية القسرية، تعني غالبا تحويل السكان الأصليين إلى قوة عمل رخيصة، بلا سيادة، وبلا حقوق ملكية، وبلا قدرة على تقرير مصيرهم. غزة، ووفق هذا المنطق، لا تحتاج إلى مقاومة أو مشروع سياسي أو ذاكرة، بل إلى يد عاملة تخدم الفنادق، وتنظف الأبراج، وتعمل في المرافئ، بينما تنزع عنها ملكية ما كان يوما بيوتا وأحياءً وحقولا.
ولعل الأخطر في هذا الطرح أنه يفصل بين الدمار ومن تسبب به. فمجلس السلام المقترح، كما جرى عرضه لا يتضمن أي آلية مساءلة عن الجرائم، ولا أي اعتراف بمسؤولية الاحتلال عن جرائمه، ولا حتى إشارة إلى حق الفلسطينيين في العدالة أو التعويض. الإعمار هنا لا يأتي بعد محاسبة، بل بدلا عنها. وكأن المطلوب من الفلسطيني أن ينسى القتل والحصار والتجويع مقابل وعد بشقة زجاجية لا يملكها، أو وظيفة في مشروع لا يشارك في تأسيسه. هذا النوع من "السلام" لا ينهي الصراع، بل يجمده تحت طبقة إسمنتية سميكه تخفي تحته كل أسباب الانفجار المقبل.
يمكن القول إن ما يُطرح هو إعادة صياغة للقطاع بهوية جديدة، لا إعمار بالمعنى الحقيقي، لأن الإعمار يفترض احترام الذاكرة، والناس، والحقوق، والملكية، بينما إعادة الصياغة تعني محو ما كان قائما واستبداله بنموذج يخدم مصالح القوى المهيمنة. غزة الريفييرا كما يتم التخطيط لها ليست غزة الفلسطينية، بل كيانا اقتصاديا منزوع السياسة، محكوما بترتيبات أمنية صارمة، ومدارا من مجالس دولية وإقليمية لا تمثل سكانه تمثيلا حقيقيا.
أما السؤال عما إذا كانت المدن تبنى فوق أنقاض الحروب دون محاسبة، فالتاريخ الحديث يجيب بنعم، ولكن بثمن باهظ. كل مدينة أُعيد بناؤها فوق ظلم غير محاسب حملت في أساساتها بذور صراع جديد. من البوسنة إلى العراق، ومن أفغانستان إلى ليبيا، أثبتت التجارب أن تجاوز العدالة باسم “الاستقرار” لا ينتج سلاما، بل هدنة هشة. ما يُقترح لغزة يسير في الاتجاه ذاته: استقرار شكلي، واستثمار سريع، وقمع سياسي وأمني طويل الأمد.
ولا يمكن، أخلاقيا ولا سياسيا، فصل ناطحات الزجاج عن الدم والركام الذي سبقها. بناء العمارات ليس محايدا، والاقتصاد ليس منفصلا عن السياسة. كل برج يبنى على أرض مغتصبة، وكل فندق يُقام فوق مقبرة جماعية، يحمل في داخله رواية قسرية مفادها أن القوة تنتصر، وأن من يملك المال يعيد كتابة الجغرافيا. هذه ليست تنمية، بل استعمار بصيغة جديدة، ولكن أكثر نعومة.
إنها ليست رؤية إعمار بقدر ما هي مشروع لإعادة تعريف غزة بما يتناسب مع مصالح المستثمرين واللاعبين الدوليين، لا مع حقوق سكانها. المدن يمكن أن تبنى فوق الأنقاض التي خلفتها الحروب، لكن دون محاسبة تتحول إلى شاهد على الجريمة لا على التعافي. ولا يمكن فصل الزجاج اللامع عن الدم الذي سفك، لأن التنمية الحقيقية تبدأ من العدالة، لا من الخرسانة.
إن ما كشفه كوشنر في دافوس لم يكن زلة لسان، بل وضوح رؤية. رؤية ترى في مأساة غزة فرصة استثمارية، وفي السلام صفقة، وفي الفلسطينيين عقبة يجب "إزالتها" لا شعبا له حقوق. وهذه الرؤية، مهما تم تجميلها، ستبقى عاجزة عن إنتاج سلام حقيقي، لأن السلام الذي يبنى على أنقاض الكرامة لا يصمد، ولأن الشعوب قد تهزم عسكريا، لكنها لا تمحى عقاريا.