فتح ليست فصيلاً ولا نظاماً فما هي إذاً؟

 

 

 

أما زالت “فتح” حركة تقود المشروع الوطنيّ أم عنواناً يستند إلى تاريخه؟ هل أضعفتها السلطة أم أنقذتها؟ وأين تبدأ مسيرة الإنقاذ: من داخلها أم من إعادة بناء النظام السياسيّ الفلسطينيّ؟

 

منذ ولادتها التي يُحتفل بها في الأول من يناير من كل عام، قامت فتح بما يعتبر الأكثر جديةً وتأثيراًُ في مسار القضية الفلسطينية.

فهي من أسس لانطلاق ثورةٍ وطنيةٍ معتمدةً السلاح وسيلةً أساسيةً ما بدا في حينه مجازفةً خطرة، في بيئةٍ لم تكن مستعدةً لقبول هذا النهج، بفعل ردود الفعل الإسرائيلية والدولية عليه، ما دفع قوىً ودولاً وازنةً إلى اعتبار ما قامت به توريطاً في غير وقته، غير أن نجاحها في العديد من العمليات العسكرية داخل العمق الإسرائيلي، أكسبها تعاطفاً شعبياً وانتشاراً سريعاً في أوساط الفلسطينيين الذين فقدوا الثقة بالدول، خصوصاً بعد أن قال عبد الناصر وبمسؤولية أن ليس لديه خطةً لتحرير فلسطين.

جاءت حرب الخامس من حزيران للعام 1967، حيث الهزيمة المدوية وكأنها تزكّي الثورة الوليدة لتملأ الفراغ، ولتعيد الثقة للجماهير العربية وليس للفلسطينيين فقط، كانت فتح بدأت بالترسّخ كعنوانٍ للجديد الفلسطيني، وتعزز هذا العنوان بأول إنجازٍ عسكريٍ مكتمل المواصفات، تمّ بشراكة فتح مع الجيش الأردني في معركة الكرامة، ونتيجةً لذلك انفتحت أبواب العالم العربي أمام الحركة الشجاعة المقنعة بأدائها ووعودها، فكان الالتحاق بها غزيراً على نحوٍ بدا فوق طاقتها على استيعابه وتنظيمه.

عززت فتح نفسها ودورها بالدخول إلى منظمة التحرير كقوةٍ أولى في تشكيلٍ جبهويٍ وطني، ومن خلال المنظمة تعزز حضورها على الصعيد القومي والإسلامي والعالمي، ومن قوانين الحياة، أن لتطور المكانة واتساع النفوذ، أثماناً لابد وأن تدفع، فوجدت فتح نفسها في تحدٍ مع البيئة المتحفظة عليها وعلى نفوذها المبالغ فيه، وكان أفدح ثمنٍ فُرض عليها خسارة الجغرافيا الأردنية الثمينة، ما فرض عليها اللجوء بحملها الثقيل إلى سوريا ومنه إلى لبنان، لتواجه حذراً سورياً رسمياً خشية تكرار التجربة الأردنية، وكذلك انقساماً لبنانياً حولها أدّى أخيراً إلى خروجها، غير أن ما ساعد فتح قائدة ائتلاف منظمة التحرير على البقاء وتعظيم حضورها ونفوذها، هو حيازتها على شرعية تمثيل الشعب الفلسطيني في وقتٍ كان العرب والعالم بحاجةٍ إلى من يتعاملون معه، في كل ما يتصل بالشأن الفلسطيني بما في ذلك التسوية.

خروج فتح قائدة منظمة التحرير من الجغرافيات الثمينة التي تحيط بالوطن، فرض عليها انتقالاً من العمل العسكري من خارج الوطن بما في ذلك ما كان يوصف بالعمليات الخاصة التي نُفذّت على يد تشكيل أيلول الأسيود إلى عملٍ سياسي، مع تركيزٍ على العمل داخل الوطن، ما أنتج انتفاضةً غير مسلحة أفضت إلى توغلٍ يكاد يكون تاماً في العمل السياسي، لينتج أخيراً حضوراً غير مباشرٍ في مؤتمر مدريد، واتفاقاتٍ مع إسرائيل عبر مفاوضات أوسلو السرية المباشرة.

قادت فتح مرحلة التسوية من خلال منظمة التحرير، وأنهت رسمياً خيار العمل المسلح، ولو أنها عادت إليه حين تعثّر مشروع التسوية ولكن دون أن يعتمد رسمياً.

بعد أن عادت فتح قائدة منظمة التحرير إلى الوطن، شرعت في بناء سلطةٍ وطنيةٍ على ما يتاح لها من مكانٍ لممارسة حكمٍ محدودٍ عليه، وحدث تقدمٌ على مسار تحويل السلطة إلى دولة، ذلك حين تبنى العالم بما في ذلك أمريكا هذا التوجه وكان لزيارات كلينتون وكثيرين من زعماء العالم لمناطق الحكم الذاتي في غزة والضفة، مدلولاً يوحي بأن احتمال الدولة ليس خيالياً ولا حتى مستبعداً.

لم تنتبه حركة فتح إلى المضاعفات السلبية لذوبانها المطلق في السلطة، كما ذابت من قبل في أجهزة ومؤسسات وقوات المنظمة، ما أدّى إلى أن أصبحت الأجسام الثلاثة جسماً واحداً لا يفصل بين مكوّناته سوى التسميات، ما ألغى أحد أهم ما تمتلكه فتح وهو تنظيمها ومؤسساتها الخاصة.

ما هي فتح إذاً؟

إنني أجتهد بتعريفٍ لها بعد كل الذي حدث معها منذ العام 1965 وحتى أيامنا هذه.

فتح ليست تنظيماً، ولو أن فيها هياكل وإطاراتٍ ومسميات، ذات عناوين توحي بذلك.

وفتح ليست نظام حكم ولو أنها "بيروقراطيا" تدير بعض أمور الضفة من خلال ما تبقى للسلطة من نفوذ، غير أن وضعها لا يرقى إلى أن تعتبر نظام حكم، وذلك بفعل النقص الذريع في مكونات النظام، وكذلك بفعل الانقسام الذي فصل غزة عن الضفة، وبفعل الأعمال الإسرائيلية المتنامية لمنع تحول السلطة الضعيفة أصلاً إلى دولة، وهنا أصل إلى الإجابة عن سؤال إذاً ما هي؟

فتح تُعرّف بالماضي كما يحلو لكثيرين من أعضاءها أو قياداتها إثبات أفضليتها في السيطرة والحكم، ولكنها في الواقع تبقى حالةً شعبيةَ يتفوّق فيها العنوان على المضمون، ويستعار منها الماضي التليد للتعويض عن نقص الحاضر، وهذا أمرٌ ينفع لبقاء العنوان قيد التداول.

ما هو الحل إذاً؟

هنالك حقيقةٌ قوامها أن الشعب الفلسطيني مقيمٌ بأغلبيته العددية على أرض الوطن، وأن هنالك سلطةً ما تزال عاملةً على إدارة ما تستطيع منه، وهنالك صراع وجودٍ وبقاء يسجّل فيه الشعب الفلسطيني بملايينه حقائق تتجاوز ضعف السلطة، وقوة إسرائيل، وتطرح القضية الفلسطينية كمعضلةٍ دوليةٍ بحاجةٍ إلى حلٍ جذري، وهذا يتطلب تعديلاً في أولوية الجهد الوطني الذي ما يزال عنوانه السلطة والمنظمة والدولة، وذلك بالانصراف ليبس إلى حل معضلات فتح المتراكمة، إنطلاقاً من التعامل معها كفصيل، بل بالتوجه الجدي لإصلاح حال الوطن، وتوفير مستلزمات صمود أهله وتطوير حياتهم فيه، فإن صلح النظام السياسي الذي يتكون من الجميع ويقود الجميع، يصلح حال البلد وفي ذلك صلاح فتح الأعمق والأفعل والأصح، ذلك لا يمنع من ترتيب أوضاع الحركة التاريخية، ولكن بتوازٍ مع ترتيب أوضاع البلد وأهله.

قديماً قيل إن صلاح فتح يعني صلاح الوطن والقضية، ولا ضرر من تعديل المقولة بأن صلاح الوطن وأهله هو صلاحٌ لفتح وللقضية معاً، ولا صلاح للوطن وأهله إلا بتأسيس نظامٍ  سياسيٍ حديث، أساسه صندوق الاقتراع الذي يقول الناس جميعاً كلمتهم فيه ومن خلاله، وفتح في هذا المسار تملك أن تفعل الكثير لذاتها وللوطن.

 

 

 

 

Loading...