ما بين الحرب، وحافتها!

 

 

 

 

نشهد فترات جيوسياسية الأكثر صعوبة وحسماً في التاريخ فالحرب الجيوسياسية بين المتنافسين مستمرة تتغير أطوارها فقط بين البرودة والسخونة، والآن مرحلة الغليان تنبئ أن العالم ينتظره ما هو أشد هولاً، بين الحرب وحافتها العالم يقف على أبواب الجحيم وأي حلول أو تسويات قد تكون آنية لتجنب انفجار الصراع بين القوى العظمى، بينما يحاول ترمب إرساء نهج جديد بالقرصنة والابتزاز والتهديد لاستعادة الهيمنة الأمريكية العالمية، يبتز العالم بالرسوم الجمركية والتهديد العسكري والسطو على مصادر الطاقة والتهديد بالخطف وقتل قادة الدول الذين يعارضونه، يعيد العالم ترتيب نفسه بعيداً عن أمريكا، فلابد من حشد دولي لمواجهة الجنون الأمريكي، العالم يتغير ولن يعود إلى ما كان عليه من قبل يعكس توازن قوى عالمية جديدة ورأي دولي عام اتحد لمواجهة الهيمنة الأمريكية، تتجه أنظار العالم إلى الشرق مع ظهور قوى اقتصادية "الصين والهند"، فالنظام القديم يحتضر سباق تسلح يتسارع وصراع اقتصادي، وبدأت تحالفات جديدة تظهر واتفاقيات تجارية وصفقات دفاعية لا وجود أمريكي فيها بعد أن انهارت الثقة بأمريكا وترمب، ترمب أشعل القارة الأوروبية ووضع العالم أمام أخطر صراع جيوسياسي، فعندما تعاقب أوروبا لدفاعها عن غرينلاند وعن سيادة الدنمارك فهذا يعني أن ترمب تجاوز الخطوط الحمراء وعندها يجب أن تكون أوروبا مستعدة للرد فاصطدم ترمب بموقف أوربي موحد أضعف فرصته بضم الجزيرة، لم تعد أوروبا تهدد بل ترد من الهند قبل أن ترسل الضربة القاضية من الصين عنوانها تجارة بلا دولار ونهاية ترمب وانهيار امبراطوريته قد بدأت فعلاً، لعله الصعود إلى الهاوية!!،

حين تضيق الخيارات الاقتصادية يلجأ القادة الشعبويين إلى افتعال صدام خارجي لكن ترمب لم يدرك أن الأزمنة تغيرت، وأنه يقامر بسمعة بلاده التي يراها العالم أنها دولة مارقة تحقق مصالحها بالعصا بدلاً من الجزرة، الآن إيران في عين العاصفة، تحشيد أمريكي عسكري غير مسبوق في المنطقة أساطيل وسفن حربية وطيارات شبحية وقاذفات نووية للضغط الأقصى والتصعيد لأكبر مدى ممكن قبل اتخاذ القرار النهائي، والوصول لاتفاق جديد يحجم نفوذ إيران أو التهديد بضربة شاملة لا يمكن النهوض بعدها باستهداف البرنامج النووي والترسانة الباليستية واسقاط النظام واعادة عهد الشاه البهلوي بضربات سريعة وحاسمة دون التورط  بحرب استنزاف طويلة الأمد قد تكون مكلفة في المنطقة فضلاً عن الفوضى وانعكاس ذلك على المحيط التي لا يمكن لأي قوة داخلية أو خارجية احتوائها، ولكن من الصعوبة تحقيق الأهداف دون ثمن باهظ تكلفته المصالح الاستراتيجية الأمريكية بالشرق الأوسط ولن تغامر، ورفض الدول المجاورة لهذه الحرب أو استخدام أجوائها لتوجيه ضربات ضد إيران، وإيران تؤكد أنها على أهبة الاستعداد "ردع بلا تنازل ودبلوماسية بلا أوهام"، فما الذي نشهده؟!

وجود توتر عسكري حقيقي ووجود مناورات عسكرية دولية متضاربة في المنطقة، ستفتح أبوب النار والدم لتغيير المسارات التاريخية والاستراتيجية قد تبدو حرباً اقليمية ولكنها هي امتداد لحرب الطاقة والمعابر الدولية، مناورات عسكرية أمريكية إسرائيلية في الشرق الأوسط وبحر العرب على مقربة من السواحل الإيرانية كرسائل ردع لاستعراض قوة ترمب لحماية الملاحة، والرد "درع القوى العظمى" يغير قواعد الحرب جذرياً ويضع أمريكا أمام معضلة غير مسبوقة، إيران تستعرض قوتها بحلفائها بدأت بدعم لوجستي صيني روسي بأحدث الأسلحة مناورات عسكرية في المحيط الهندي ومضيق هرمز وهذا سيجعل المنطقة محظورة دولياً يعطل حركة المرور في أهم الممرات التجارية العالمية كرسالة بأنها حرب وجودية وهدفهم ضرب إسرائيل والوجود الأمريكي بالعالم بمشاركة وكلائها باليمن والعراق ولبنان.

روسيا والصين أمام أمريكا، قوى كل منهم تنزع بطبيعة الحال إلى أن تكون امبراطورية كبرى، تدرك الصين المخاطر الاستراتيجية الكامنة في استمرار الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي سواء على المستوى السياسي أم الاقتصادي، فبدأ التحدي الصيني الأمريكي عندما تجاوز ترمب حدوده بالتعدي الحديقة الخلفية للصين ومواردها النفطية في فنزويلا والآن في إيران، لاشك أن ما يحدث الآن في مضيق هرمز جولة في جولات اللعبة الكبرى بين القوى العظمى والتي تقوم على استعراض القوة العسكرية والمستند على الاقتصاد وهما توأمان، لتخرج الصين بأحدث الأسلحة "الأسلحة فرط صوتية وأسلحة ليزرية متطورة أسلحة نووية" في تحدِ مباشر للهيمنة الأمريكية، لتخبر ترمب أنه تجاوز مع إيران خطا" أحمر يؤثر على امنها القومي.

هذه صورة الشرق الأوسط الآن، استعداد إسرائيل لضرب إيران كخطر وجودي وبالتالي الشرق الأوسط الجديد يصبح جاهزاً ليتولى نتنياهو أمره، لكنه ليس قراراً إسرائيلياً منفرداً بل يحتاج لضوء أخضر ودعماً لوجستياً أمريكياً يدخل أمريكا في المستنقع الإيراني وهو ما يتردد ترمب بحسمه، وما يجري في إيران ينعكس على الخارطة السياسية للمنطقة والعالم، حصرت أمريكا في زاوية ضيقة ونجحت إيران في تدويل الأزمة واشراك حلفائها في معركتها، وترمب بين خيارين أما ضربة فورية أو تأجيل اضطراري وكلاهما ينذر أنه في مأزق وجودي وأنه السقوط الأمريكي في الشرق الأوسط، هذا ما يفعله ترمب ليجعل أمريكا أولاً!!.  

 

Loading...