
أين السلطة الفلسطينية!!؟ في المشهد السياسي العام تغيب السلطة الفلسطينية عن معظم التطورات والتحركات السياسية في المنطقة، فقد تم استبعادها عن عضوية مجلس السلام الذي شكله ترمب؛ ولم يكن لها دور ملموس أو مميز في تشكيل "اللجنة الوطنية لإدارة غزة": لا في تركيبتها ولا في مرجعيتها؛ أما في دافوس فقد كان دورها باهتاً. صحيح ان ما تم هو تغييب مقصود للسلطة وليس مجرد غياب. ولكن الملفت هو التسليم بحالة الغياب وعدم بذل السلطة الجهد اللازم لمجابهة مخطط التغييب والاستبعاد. وهذا ما يجوز تسميته بالقبول العملي للغياب. وينسحب الغياب ليس فقط على السلطة بل وعلى منظمة التحرير وقيادتها وهيئاتها وعلى جميع الفصائل الفلسطينية بلا استثناء. الكل غائب.. هل سمع أحد مؤخراً عن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أو عن أي دور أو قرار اتخذته!!؟ هل سمع أحد شيئاً ذو بال عن اللجنة المركزية لحركة فتح أو عن أي قرار أو إجراء ذي أهمية اتخذته على امتداد الشهور وحتى السنوات القليلة الماضية!!؟ والمؤسف ان هذا الغياب يحدث في الوقت الذي تتصاعد فيه جرائم الاحتلال الاسرائيلي في قطاع غزة الذي بتعرض لحرب إبادة لا تتوقف، ولتنكيل ومعاناة شديدة لا حدود لها، وتنزف دماء أبنائه كل يوم؛ وفي وقت تتكشف فيه بشكل مقلق النوايا الخفية وراء مشاريع ومخططات تستهدف فصل غزة عن الضفة الغربية وعزلها عن بعدها الوطني الفلسطيني وتجاهل كونها جزءاً لا يتجزأ من الوطن الفلسطيني، وتصفية القضية الفلسطينية وإنهاء دور السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية؛ والمضي في مخططات تدمير حل الدولتين من خلال تعميق وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية .
الإدارة الامريكية تكتفي بمشاهدة الانتهاكات والجرائم التي تقترفها سلطات الاحتلال في غزة والضفة الغربية دون ان تحرك ساكناً، وتتعمد الغموض واتخاذ المواقف الملتوية والتظاهر اللفظي بالحرص على ادخال المساعدات لأهالي غزة وإعادة الإعمار متجاهلةً ضرورة الوقف الفوري لأعمال القتل والترويع اليومية التي تقوم بها إسرائيل ما يتيح لها مواصلة ممارساتها التعسفية والاستمرار في إغلاق المعابر وإعاقة دخول الكرفانات والمساعدات الإنسانية. كما تواصل الإدارة الأمريكية سياسة التلكؤ في فتح الملف السياسي لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على قاعدة حل الدولتين. ورغم معارضة السلطة الفلسطينية والأطراف العربية والاقليمية والعديد من الأطراف الدولية لمحاولات فصل غزة عن الضفة الغربية وإصدارها البيانات والمواقف التي تؤكد على ضرورة الربط بينهما في أية ترتيبات راهنة أو مستقبلية إلا ان التحركات الجارية والمواقف الصادرة عن الادارة الأمريكية لا تظهر أدنى استجابة أو تفاعل مع تلك الموقف بما لا يوحي بالاطمئنان.
لمجابهة مخططات الفصل والعزل هذه، وللخروج من حالة التهميش ووضع حد لمحاولات الاستبعاد والإقصاء، ومن أجل التأثير على الحراك السياسي الدولي والاقليمي الجاري في الساحة الفلسطينية فان على القيادة الفلسطينية المبادرة للتحرك ومغادرة حالة الوجوم والتبلد التي تعيشها، والمسارعة لإطلاق مبادرة فلسطينية تعيد الحياة للدور الفلسطيني كطرف رئيسي في أية ترتيبات أو خطط لإشفاء وإغاثة غزة وإعادة الإعمار فيها وضمان المشاركة الفعالة في رسم المستقبل السياسي للمناطق الفلسطينية المحتلة: غزة والضفة الغربية والقدس وذلك على أرضية البرنامج الوطني الفلسطيني لإنهاء الاحتلال واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. وغني عن القول بأن مثل هذه المبادرة يجب ان تستند إلى أوسع تنسيق عربي ودولي.
ان تفعيل دور السلطة ومنظمة التحرير وتمكينها من اقتحام المشهد السياسي الحالي وكسر طوق الإقصاء والتغييب والخروج من المأزق الوطني المستفحل داخلياً وعلى مستوى الإقليم لن يكون إلا من خلال التغيير والذي مدخله العريض هو الانتخابات. لا مناص من إجراء انتخابات عامة تشريعية ورئاسية تشمل الضفة الغربية والقدس وغزة. وهذا عملياً يقتضي الإعلان عن تاريخ محدد لإحرائها، وأن يتم ذلك الإعلان بمرسوم يصدره الرئيس محمود عباس أبو مازن، بصفته رأس الشرعية الفلسطينية، وذلك من خلال مؤتمر وطني عام ذي طابع تعبوي تشارك فيه أوسع الفعاليات الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني وممثلين عن القوى والفصائل الوطنية الفلسطينية والهيئات الاجتماعية والنقابات المهنية والعمالية والغرف التجارية والجمعيات ومجالس الجامعات الخ. ولا شك بأن مثل هذا الإعلان وضمن هذا الإطار سيكون له صدى مؤثر، وسوف يلقى أوسع ترحيب على الصعيد الفلسطيني الداخلي وعلى الصعيدين الاقليمي والدولي، سيما وان السلطة الفلسطينية تمتلك كل الامكانيات والأدوات لتنظيم عملية انتخابية ناجحة ونزيهة وذلك من خلال اللجنة المركزية للانتخابات والتي تمتلك رصيداً كبيراً من النزاهة وحسن الادارة وتحظى بالاحترام العميق والثقة العالية وطنياً ودولياً؛ (شكراُ للمهنية العالية وللمصداقية المؤسسية التي رسّخها د. حنا ناصر الرئيس السابق لهذه اللجنة).
ان التقدم بثبات واستقامة لإجراء الانتخابات العامة التشريعية والرئاسية لا يغني عن ضرورة تنظيم حوار وطني عام تدعى له كافة الفصائل والأطراف الوطنية الفلسطينية من أجل تحديد أسس توحيد الحركة الوطنية الفلسطينية والعناصر والشروط الواجبة لتأهيل وشرعنة الفصائل الفلسطينية وطبيعة برنامجها ودورها للتحول إلى أحزاب سياسية شرعية في إطار الدولة الفلسطينية المستقلة المستقبلية وما يقتضيه ذلك من إجراءات على قاعدة: (نظام واحد وقانون واحد وسلاح شرعي واحد). إن إقدام منظمة التحرير والسلطة الوطنية الفلسطينية على تظهير هذا الموقف وتمليكه للرأي العام الفلسطيني سيكون موقع ترحيب على أوسع نطاق وطني فلسطيني كما هو على الأصعدة العربية والإقليمية والدولية.
الآن وقبل الغد، على القيادة الفلسطينية ممثلة بالسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير ان تعلن بصوت عالٍ استعدادها للمساهمة المباشرة في حل إشكالية نزع سلاح حماس خصوصاً وقد وافقت حماس على نزع سلاحها في إطار حل يقوم على انهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. آن الأوان للقيادة الفلسطينية ان تغادر حالة الانتظار والجمود والتقدم لبلورة مبادرة وطنية شاملة تقدمها للشعب الفلسطيني وللإقليم والعالم وذلك بالاستناد إلى مسؤولياتها ودورها الوطني باعتبارها الإطار الجامع الذي يستوعب الجميع ويحشد الطاقات ويوحد الصفوف ويلم كافة الفصائل. فالسلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية ليست مجرد طرف آخر أو فصيل آخر من الفصائل الفلسطينية.
وفيما يتعلق بجرحنا الوطني النازف في قطاع غزة فإن القيادة الفلسطينية ملزمة بدعم واحتضان "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" ومساعدتها لتأدية مهامها وتمكينها من تنفيذ برنامج الإغاثة وادخال المساعدات وإعادة بناء وتشغيل البنية التحتية والمرافق العامة في قطاع غزة، في مجالات الصحة والتعليم والكهرباء والمياه وكافة الخدمات الأساسية الأخرى. فهذه اللجنة من التكنوقراط التي تتميز عموماً بالكفاءة والنزاهة الوطنية لا يجب التردد في توثيق الصلة معها بعيداً عن التطير أو التشكيك في التزامها الوطني. لا يجب ترك هذه المجموعة من المهنيين المخلصين تواجه وحدها التجاذبات والمخططات داخل مجلس السلام والمجلس التنفيذي والتي تحاول تمرير مشاريع خيالية لا علاقة لها بالواقع أو بالاحتياجات الحقيقية الملحة لمجتمعنا الفلسطيني في غزة ولا بأولويات التنمية التي تلبي مصالحه؛ أو تلك المخططات النظرية التي تسعى لتحويل قطاع غزة إلى مجرد أراضي وعقارات تباع للمستثمرين والمضاربين من أصحاب المليارات. إن على السلطة الفلسطينية بذل أقصى الجهود لدعم اللجنة في مجابهة المعيقات المتوقعة التي ستواصل سلطات الاحتلال وضعها أمام اللجنة. لا يجب السماح بتقزيم دور اللجنة أو السكوت على محاولات التعامل معها باعتبارها مجرد سكرتاريا تنفيذية محايدة مهمتها تلبية تعليمات المجلس التنفيذي والخضوع له وبدون أن تمتلك أية سلطة لرسم السياسات.
ان تقديم الدعم السياسي والإداري للجنة لخدمة المصالح العليا للشعب الفلسطيني من شأنه المساهمة في تطوير علاقة اللجنة مع السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير لتصبح عملياً ذراعها المهني الوطني. فهذا هو الطريق لتفعيل دور السلطة وزيادة قدرتها على التأثير في الترتيبات التي يخطط لها في غزة، بما فيها محاولات فصل غزة عن الصفة الغربية.
في كل الأحوال فإن تنفيذ أية برامج جوهرية لإعادة الإعمار للمجتمع الفلسطيني في قطاع غزة لن تكون ممكنة بدون الغطاء القانوني الشرعي للسلطة الوطنية الفلسطينية. فهناك حدود بنيوية وقانونية لا يستطيع مجلس السلام ولا الهيئات المنبثقة عنه تجاوزها. وعلى سبيل المثال لن يستطيع المجلس التنفيذي بكافة الهيئات التابعة له القيام بمهمات سلطة النقد والإشراف على عمل البنوك أو ترخيص بنوك جديدة، وفتح حسابات سيادية رسمية بدون السلطة الفلسطينية. كما لن يتمكن من تحصيل الضرائب وتلقي دعم دولي طويل الأمد إلا بحدود المساعدات الإنسانية الإغاثية المشروطة. علماً بأن المانحين سوف يشترطون وجود مرجعية مالية شرعية وذات مصداقية دولية.
وعلى الصعيد الأمني قد يتمكن مجلس السلام والهيئات المنبثقة عنه تشكيل قوة أمنية محلية أو إدارة مدنية محدودة ولكن لن يكون بإمكانه بناء جهاز أمني وطني موحد ومقبول وطنياً على الصعيد المحلي أو نزع السلاح أو فرض احتكار القوة بدون موافقة السلطة الوطنية والفعاليات الوطنية الملتفة حولها.
وعلى صعيد الإعمار، قد يتمكن المجلس وهيئاته المختصة الإشراف إداريًا على بعض المشاريع، ولكنه لا تستطيع تنفيذ خطة إعادة إعمار وطنية شاملة، وضمان تدفق الأموال والمواد وعقد اتفاقيات وإبرام عقود دولية بلا غطاء سياسي وقانوني معترف به محلياً واقليمياً ودولياً. وعموماً وفي نهاية المطاف فإن الإعمار مرتبط بالسياسة، وليس بالإدارة فقط.
وينسحب ذلك أيضاً على النظام القضائي والتشريعي؛ فلن يتمكن المجلس من اصدار قوانين وطنية نافذة أو بناء نظام محاكم قانوني مستقل وادارة جهاز قضائي ذو مصداقية شعبية ودولية بمعزل عن السلطة الفلسطينية. إن من الصعب تصور ان تتمكن أية جهة تابعة للمجلس في قطاع غزة من إصدار جوازات سفر مستقلة للغزيين على سبيل المثال بمعزل عن السلطة الوطنية الفلسطينية. وكذلك بالنسبة للضرائب أو إنشاء وترخيص جامعات ومؤسسات اجتماعية وشركات تجارية معتمدة محلياً ودولياً. وينطبق هذا أيضاً على كل ما يتعلق بالتعليم والمناهج والمصادقة على الشهادات الجامعية وتنظيم امتحانات التوجيهي الخ.
بالإجمال فان مجلس السلام التنفيذي قد يستطيع بحدود معينة ممارسة الإدارة، لكنه لا يستطيع ممارسة السيادة. ولن يتمكن من إنشاء كيان مستقل وهياكل شرعية مستقلة بمعزل عن السلطة الفلسطينية والأجهزة والهياكل الادارية والمالية القانونية التابعة لها. فإنشاء هياكل تنظيمية قانونية جديدة أو تفعيل ما هو قائم من هياكل بحاجة ليس فقط لإقرار شعبي داخلي ولكن ايضاً لتوافق إقليمي ودولي.
بالاختصار، السلطة الفلسطينية هي واقعياً الجهة الوحيدة التي تمتلك الأهلية العملية والشرعية التي تمكنها من تقديم نفسها باعتبارها الإطار القانوني الوطني والشرعي الذي من خلاله فقط يمكن إيجاد الحلول الاستراتيجية للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وليس هناك من سبيل لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة إلا بالإقرار بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره واقامة دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من حزيران عام 1967.