مقالات مختارة

خلف ستار البيروقراطية المُرهِق يكمن إلغاءٌ فعلي لاتفاق أوسلو | زهافا غالئون

 

 

 

نجحت الحكومة الإسرائيلية في انتزاع معارضة رسمية للضم من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وقال ترامب في حديث مع باراك رافيد: "أنا أعارض الضم. لدينا ما يكفي من أمور أُخرى نفكر فيها الآن." مرة أُخرى، يتضح أن اليمين الإسرائيلي يؤدي رقصته الغريبة من دون أي شريك، لا الفلسطينيين الذين لا يحسب لهم حساباً أصلاً، ولا غيرهم.
ما يفكر فيه ترامب لا يعنيني، ما يعنيني هو الطريقة التي نجح بها بنيامين نتنياهو، لأسباب سياسية قصيرة المدى بشكل مذهل، في تحويل دولة إسرائيل إلى دولة منبوذة ومعزولة أكثر مما فعل خلال السنوات الثلاث الرهيبة الماضية.
إن الإسرائيليين، في معظمهم، لا يعرفون علامَ اتفق نتنياهو وبتسلئيل سموتريتش ضمن ما نسميه هنا "المجلس الوزاري السياسي-الأمني". الحديث يدور حول سلسلة قرارات تصعب قراءتها، تتعلق بتنظيم الإدارة البيروقراطية لشراء الأراضي في منطقتَي A وB. في الواقع، لا يعرف معظم الإسرائيليين كيف تبدو هذه المناطق على الخريطة؛ فمن بعيد، يبدو الأمر كأنه قصة بيروقراطية مملة لا تهمّ سوى الفلسطينيين.
لكن القرارات التي اتخذها المجلس تتعلق بالسيطرة الإسرائيلية على الأراضي، وهذا شأن يخصنا جميعاً؛ إذ يكمن خلف ستار البيروقراطية الثقيل إلغاءٌ فعلي لاتفاق أوسلو واتفاق الخليل. أي إن هناك اعترافاً بسيطاً بأن كلمة دولة إسرائيل لا تساوي الحبر الذي كُتبت به، ويتضح أن توقيعها الرسمي  لاتفاق دولي أقل أهميةً من  كلمة نتنياهو.
لماذا احتاج نتنياهو أصلاً إلى هذه التغييرات البعيدة المدى؟ لأن الشيك السابق الذي أرسله عاد من دون رصيد. لا يوجد نصر مطلق في غزة. فهناك ما لا يقل عن 41 إسرائيلياً خُطفوا أحياء وماتوا في الأسر، في ظروف مروعة، باسم الوعود بالنصر على "حماس" ونزع سلاح القطاع. كانت عيدان يروشالمي تزن 36 كيلوغراماً عندما قُتلت، لأننا كنا "مضطرين" إلى دخول رفح. وبينما كان المخطوفون يُعذَّبون ، كان مذيعو هذه الدولة يحتفلون في الاستوديوهات مع قبعات "النصر المطلق". وما حصلنا عليه في المقابل هو أن "حماس" بقيت في غزة، وقطر وتركيا منخرطتان في إدارة القطاع، والسلطة الفلسطينية تعود إليه أيضاً.
لا يملك سموتريتش ما يعرضه على جمهوره، لا مستوطنات في غزة، ولا تجنيد الحريديم. وإذا كان لا يمكن تحقيق النصر في غزة، تبقى السلطة في الضفة. تُظهر هذه الحكومة، مراراً وتكراراً، أن الاستراتيجيا التي توجّهها بقيت على ما هي عليه طوال سنوات: "حماس" أصل، والسلطة عبء. وهذا بحد ذاته يجب أن يدق ناقوس الخطر لدينا، لأن القصة هنا ليست فقط سمعة إسرائيل، بل مستقبلنا؛ الحكومة غير قادرة على إدارة إعادة إعمار غلاف غزة، لكنها تسارع إلى إرسال أذرعها لإدارة مناطقA ، والهدف هو إرسال مزيد من المستوطنين إلى مزيد من الأراضي في الضفة؛ ليس فقط إلى مناطق C التي تشكل 60% من الضفة، بل إلى عمقٍ أكبر كثيراً. وحيث يوجد مستوطنون، يجب أن يوجد أيضاً جيش، فالمستوطنون لن يحموا أنفسهم، وبما أن الحكومة حرصت على عدم تجنيد الحريديم، فالمعنى هو أن أبناءكم سيذهبون للدفاع عن بؤرة "أمنون وتمار" في قبر راحيل؛ وحيث يوجد مستوطنون، يوجد أيضاً مال، هل ظننتم أن مئات الملايين التي مُنحت لأوريت ستروك كثيرة؟ هذه ليست سوى البداية.

قررت الحكومة أخذ موارد دولة إسرائيل — أرواحاً وأموالاً وسمعة — وإغراقها مرة أُخرى خارج الحدود، من دون نقاش، ومن دون تصويت في الكنيست، مثل اللصوص تماماً، فقط لأن الشيك السابق رجع من دون رصيد، ونتنياهو يحتاج إلى إصدار شيك آخر من دون رصيد.

 

 

هآرتس

كلمات مفتاحية::
Loading...