
إن الصيَغ البيروقراطية التي رافقت قرارات الكابينيت قبل أسبوع بشأن الضفة الغربية تجعل – وربما عن قصد – من الصعب فهم المعنى العميق للخطوات التي تمت المصادقة عليها: ضمٌّ زاحف للضفة الغربية، من دون إعلان رسمي بشأنه، وعلى ما يبدو، خوفاً من إغضاب الرئيس ترامب الذي يعارض هذه الخطوة بشدة.
تبرز في القرارات ثلاثة مكونات رئيسية: تسهيل الإجراءات المتعلقة بشراء الأراضي من طرف اليهود؛ توسيع نطاق الرقابة وفرض القانون في المناطق (أ) و(ب)، وهي خطوة يُتوقع أن تُضعف السلطة الفلسطينية التي يرى كثيرون في الحكومة أنها عدو لا يقلّ خطورةً عن "حماس"، بل يتمنون انهيارها، ويخططون له؛ وتوسيع السيطرة الإسرائيلية على مجموعة من المواقع الأثرية والدينية، وعلى رأسها الحرم الإبراهيمي. هذا كله يأتي في سياق الجهد لمساواة مكانة المستوطنات بمكانة البلدات الواقعة داخل الخط الأخضر، ويترافق هذا الجهد، من بين أمور أُخرى، مع تعميق سيطرة الوزير سموتريتش على الإدارة المدنية.
لا تُخفي حركة "الصهيونية الدينية" هدفها المركزي، المتجسد في "رؤية الضم" التي طرحها سموتريتش في سنة 2017: دولة واحدة بين البحر والنهر، بلا فاصل بين الشعبين. وفي مقابلات وتصريحات لا تُحصى، أوضح قادة الحزب (والتيار) أنه في ظل الحرب التي اندلعت في 7 أكتوبر، نشأ "عصر من المعجزة" يتيح تحقيق التطلعات الأيديولوجية والاقتراب من الخلاص، لكنهم يؤكدون ضرورة الحذر: من المهم العمل تحت الرادار لتغيير الـDNA الخاص بيهودا والسامرة [الضفة الغربية]، مع السعي لتجاوُز نقطة اللاعودة التي بعدها لن يكون في الإمكان الحديث عن فصل بين الشعبين، فضلاً عن الدولة الفلسطينية.
وهكذا تتحول رؤية سموتريتش إلى العقيدة الرسمية لإسرائيل، وتُفرَض على الجمهور الواسع من دون أن يُستشار في مسألة يُتوقع أن تؤثر جذرياً في وجوده في المستقبل. ويجري توجيه مشاعر عدم الارتياح إزاء فرض رؤية فئوية عبر تقديم مبررات استراتيجية مصطنعة، في محاولةٍ لعرض الحلم كأنه ملك للجميع. على سبيل المثال: الادعاء أن ذلك تطبيق لدروس 7 أكتوبر (وهو إخفاق يتحمل مسؤوليته مَن يغيّرون الآن الواقع في الضفة، من دون أن يشعروا بالحاجة إلى التحقيق في إخفاقاتهم، أو فحص ما إذا كانوا يكررونها)؛ أو ترسيخ استنتاجات ضعيفة واقعياً، مفادها بأن العرب لا يفهمون إلا عندما تُؤخذ منهم أرض، وأنه حيث توجد مستوطنة، لا يوجد "إرهاب".
ارتفاع دراماتيكي في الإرهاب القومي
في الخلفية، تتطور في الضفة الغربية ثقافة وقيَم تختلف كثيراً عمّا هو سائد في إسرائيل، ويبرز ذلك في الارتفاع الدراماتيكي في الإرهاب القومي. وغالباً ما ترافق هذه الظاهرة تبريرات توراتية، مثل تطبيق عقيدة يوشع بن نون، التي تمنح غير اليهود مكانة أدنى، أو تبرّر طردهم، أو قتلهم، و"إبادة العماليق"، وازدراء عميق لمواقف العالم بروحية "شعب يسكن وحده، ولا يُحسب بين الأمم"؛ أمّا مسألة مصير ثلاثة ملايين فلسطيني يمكن أن يجدوا أنفسهم تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة، فلا يجري التعمّق فيها، ويفضَّل الإيمان بأن "الأمور ستسير بمشيئة الله"، بطريقة تذكّر بالإيمان الأعمى بتحقيق رؤية ترامب بشأن غزة. وعلى الهامش، تتكاثر مغامرات مسيانية متخفية بلباس "ريادة تحمي جميع الإسرائيليين من 7 أكتوبر آخر"، وعلى رأسها محاولات إقامة مستوطنات في قطاع غزة وسورية ولبنان، والتي لم تنتهِ بكوارث إلّا بأعجوبة، على غرار ما حدث حين قُتل الجندي غور كهاتي [الذي قُتل في قرية شمع في الجنوب اللبناني خلال الحرب في أيلول/سبتمبر 2024].
في إسرائيل، ذات الذاكرة القصيرة والتفكير الجامد، ينشغل كثيرون أساساً بتداعيات الخطوات المتخذة في الضفة على الأجواء قبيل شهر رمضان الذي سيبدأ هذا الأسبوع، ويدرسون تقديم تسهيلات لضمان الهدوء على الأرض. وقد يكون القائمون على النقاش معنيين بأن يكون هذا محور الحديث، بدلاً من قضايا ثقيلة تتعلق بصورة إسرائيل: هل سيقبل العالم، ولا سيما الإدارة الأميركية الحالية والمستقبلية، بتغيير الوضع في الضفة؟ هل يدرك الإسرائيليون أن السياسة المتّبعة لا تتيح التطبيع (أوضح سموتريتش أنه من ناحيته، "يمكن للسعوديين أن يواصلوا ركوب الجِمال في الصحراء")؟ والأهم، هل يستطيع المواطنون أن يتخيلوا كيف تبدو دولة واحدة من دون فاصل مادي بين مجتمعين متساويَين ديموغرافياً ومعاديَين لبعضهما، وما هي الأكلاف الأمنية والاقتصادية والاجتماعية إذا تحقق مثل هذا السيناريو؟
في الخلفية، يتطور "رضى ذاتي" مُقلق، يحمل روائح مشابهة لتلك التي سبقت 7 أكتوبر، في ضوء الواقع في الضفة: تم احتواء تهديد "الإرهاب"، في معظمه؛ أخلَت إسرائيل ثلاثة مخيمات للاجئين في شمال السامرة من دون أن تواجه ضغطاً خارجياً (وهناك مَن يتخيل أن ذلك سيطمس هوية اللاجئين وذاكرة الماضي)؛ يتم تشريع بلدات وبؤر استيطانية في أنحاء الضفة؛ وعلى الرغم من التحذيرات الكثيرة، فإنه لم تندلع انتفاضة ثالثة. في هذا السياق، تنمو خيالات بشأن إقامة كانتونات، أو إمارات، على أساس عشائري، بدلاً من السلطة الفلسطينية، وهذا كله تحت غطاء تفكير إبداعي وجريء وواقعي، يُفترض أنه جاء لتصحيح إخفاقات 7 أكتوبر. إن المزج بين الأوهام والقوة السياسية والامتناع المتطرف من التحقيق واستخلاص العبر من الماضي أنتج بشكل فعلي في غزة إخفاقات ومفاهيم خاطئة خلال الحرب، ومن المرجح أن يجد تعبيره أيضاً في الضفة.
ما يجب أن يُقلق إسرائيل ليس الانفجار الذي يحذّر منه كثيرون، بل العكس، الهدوء المقلق لعملية الاندماج المتواصلة بين إسرائيل والضفة، والتي ربما تولّد دولة جديدة مليئة بالتوترات والاحتكاكات العنيفة، وتفتقر إلى إجماع داخلي وشرعية خارجية. وفي عام الانتخابات المصيري، من المستحسن أن يطالب الجمهور المرشحين بعرض رؤية واضحة تستند إلى معطيات، لا إلى شعارات، بشأن السؤال الوجودي عن مستقبل العلاقة الإسرائيلية -الفلسطينية، وعلى هذا الأساس، أن يقرروا لمن يمنحون أصواتهم.