إلى أين نسير؟

 

إن إعلان حكومة الاحتلال الإسرائيلية المضي في مشروعها الاستعماري بالحسم المبكر وضم أجزاء من الضفة الغربية وتشكيل اللجان الادارية الشكلية دون الصلاحيات، والتابعة لما سُمي "مجلس السلام" بقطاع غزة برئاسة ترامب، ودون تمكينها من العبور الى القطاع حتى اليوم الذي ما زال يعاني الكارثة، والبدء بمصادرة حقوق وسلطات عدد من البلديات بالضفة خاصة بإدارة مناطق قبر راحيل ببيت لحم والحرم الإبراهيمي بالخليل كنموذج تجريبي لنسخ ما يجري في غزة من تدوير الاحتلال والفصل، واصدار الاعلانات المتكررة لمصادرة الاراضي وبناء الوحدات الاستيطانية واقرار مشروع "A 1" وغيره من العزل الجغرافي . كلها ليست مجرد تصريحات واجراءات سياسية عابرة، بل خطوة استكمالية استراتيجية تستهدف جوهر المشروع الوطني التحرري الفلسطيني.

فالضم يعني إعادة تعريف الأرض ووظيفة السلطة الوطنية والتمثيل السياسي الشرعي لشعبنا المتمثل في دور المنظمة المفترض كقائد لمرحلة التحرر والوطني وكجبهة وطنية عريضة، ويفتح الباب أمام واقع إداري وأمني قد يُحوّل ما تبقى من صلاحيات وطنية إلى إطار خدماتي منزوع السيادة الوطنية.

أمام ذلك فأن الشارع الفلسطيني يعيش حالة قلق حقيقي، فالأوضاع الاقتصادية تنهار وأموالنا محتجزة كما رواتب الموظفين لا تتوفر بفعل ذلك، والتحليلات تتكاثر، الشائعات أو الحقائق تنتشر بما في ذلك حول قضايا داخلية تتمثل بالفساد والإفلاس المالي وتضخم المصروفات، والأسئلة تتراكم امام توحش إجراءات الاحتلال بما في ذلك من مشروع قانون إعدام الأسرى، وسقوط السيادة حتى على المناطق المصنفة "أ" بالاقتحامات اليومية والاعتقالات وحتى باتصال أجهزة الاحتلال بعدد من مرشحين المجالس المحلية. 

وفي مقابل هذا كله وغيره، لا يزال الخطاب الرسمي الفلسطيني يكتفي ببيانات التنديد والإدانة، فمهما كانت لغتها قوية وفي بعضها الآخر غائبة، فهي لا تُشكّل خطة صمود ومواجهة او حتى خطة لتحشيد ابناء شعبنا نحو اهداف معلنة.

السؤال اليوم لا يجب أن يكون، هل نرفض الضم؟ فهذا محسوم وطنياً. السؤال يجب أن يكون: ماذا سنفعل والاحتلال ماضٍ في فرضه بفعل الوقائع على الأرض؟

وكيف سنتعامل مع واقع قانوني جديد قد يطال الهوية والأراضي والممتلكات والحدود الإدارية المفترضة بحكم اتفاقيات قد قضى الاحتلال عليها وأسقطها أصلاً منذ زمنٍ أمام مرأى ومسمع المجتمع الدولي الذي جانب البيانات دون اجراءات تجعل الاحتلال مكلفاً؟

- ما هي الإستراتيجية السياسية؟

- ما هو المسار القانوني الدولي ومستقبل قرارات المحاكم الدولية ؟

- ما هي طبيعة المقاومة الشعبية ومستقبل التضامن الدولي الشعبي واعترافات الدول ؟

- ما هو مصير المبادرات الدولية حول مؤتمرات السلام وخاصة منها الفرنسية السعودية وما تلاها بالجمعية العامة بالأمم المتحدة ، ومصادرتها بفعل الهيمنة الأمريكية.

- ما هي خيارات إعادة تعريف العلاقة مع الاحتلال؟

- وكيف ستُحمى البنية الوطنية من الانزلاق إلى نموذج “إدارة سكان” تحت السيطرة الإسرائيلية ؟

هذه مجرد أسئلة بسيطة من السؤال الكبير الذي يتداوله المواطن حول المسير والمسار، وهي بحق تحتاج الى التفكير بصوت عالي ولربما خارج الصندوق المعتاد لمحاولة الاجابة عليها من الجميع .

الخطر اليوم لا يكمن فقط في الضم ذاته الذي يجري بصمت بما أنهى "مبدأ حل الدولتين" أصلاً منذ زمن طويل الذي ما زلنا متمسكين به لمصدره الأممي ولمسلسل الاعترافات بالدولة الفلسطينية، بل في احتمال تحوّل مؤسساتنا تدريجيا إلى أدوات وظيفية ضمن معادلة يفرضها الاحتلال بشكل متدحرج دون ان تحمي دول العالم اعترافاتها بنا. وهنا يصبح الصمت أو الغموض مكلفاً وطنياً، لأنه يفتح المجال أمام فقدان الثقة الشعبية، ويغذي الإحباط، ويُضعف الجبهة الداخلية في لحظة يفترض أن تكون لحظة تعبئة وطنية إستراتيجية واضحة الخطوات.

المشروع الوطني التحرري لم يُبنى على ردّ الفعل، بل على الرؤية منذ تأسيس منظمة التحرير وانطلاقة الثورة والانتفاضة. وإذا كان الاحتلال يسعى إلى فرض وقائع دائمة، فإن أقل ما تحتاجه المرحلة هو وضوح في المقابل الفلسطيني يتمثل في رؤية معلنة وبرنامج وأدوات، سيناريوهات مدروسة وخيارات سياسية عقلانية جريئة تحمي الهوية والوجود والحقوق، دون أن تختبئ خلف شعارات "الواقعية السياسية" المُفرغة من المضمون .

إن أخطر ما يمكن أن نصل إليه ليس ضم الأرض فقط، بل ضم الوعي إلى حالة يصبح فيها اعتيادياً، يكون فيها التغيير التدريجي الاستعماري واقعاً مقبولاً بفعل غياب الرؤية والمواجهة المنظمة واشكال الوحدة، فيصبح الموقف الوطني معيقا لبراغماتية متطلبات المعيشة تحت الاحتلال فنغرق بشكليات الحياة وما يصعب الاحتلال من معيقات كقضية الجسر مثلاً أو الحواجز، فيصبح ازالة بعضها او تمديد ساعات العمل انجازاً وطنيا، بعيدا عن مفهوم ان الاحتلال ذاته كجريمة هو جذر المشكلة ومعيق حرية الحركة كحق. كما وبقبول فرض إملاءات تتعلق بالأسرى وعائلات الشهداء والمناهج وما سيتبع ذلك لاحقا ربما من رفع العَلم والنشيد الوطني وصوت الأذان وأجراس الكنائس مما يساهم في تفريغ الهوية من مضمونها.

في المقابل، ننشغل في سجالات انتخابات المجالس المحلية بقانون اثار إشكالات كثيرة وما زال رغم تعديلات متكررة، وبتشكيل القوائم التي تغولت بها حسابات العشائر والعائلات وبعض مراكز النفوذ الناشئة، وكأن ما يجري في الإطار الوطني الأكبر مؤجل أو قابل للاحتواء. فلا أحد يقلل من أهمية الانتخابات وحقوق المواطن الديمقراطية والتغيير، لكن ترتيب الأولويات في لحظة مفصلية يصبح مسألة وعي وطني ومسؤولية مجتمعية، خاصة ونحن على اعتاب اعلان الدستور المؤقت للدولة واستحقاقاته واجراء انتخابات المجلس الوطني، حيث كان من الافضل تأجيل انتخابات الهيئات والمجالس المحلية إلى بعد ذلك من إقرار قانون الأحزاب حتى تكتمل الصورة أوضح وتشكل القوائم وفق ذلك قانوناً.

فشعبنا لا يطلب خطاباً تعبوياً أو شعبوياً، بل خطة مسؤولة، ولا يريد تصعيدا لفظياً، بل خطاباً صريحاً ووضوحاً سياسياً يوضح الى أين نسير.

فالمصارحة والمسؤولية الوطنية اليوم ليست خياراً، بل شرطا لحماية ما تبقى من المشروع الوطني التحرري قبل أن يتآكل بالصمت وبغياب جهات التشريع البرلماني وضرورة تجديد روح وجوهر حركتنا الوطنية وبالمقدمة منها "فتح"، كما بفعل قانون الإزاحة الفيزيائي، فالتاريخ لا يقبل الفراغ.

 

 

 

Loading...