من جدلية الثورة والدولة إلى معركة السرد والمعنى

 

 

 

لا يُعد الشعب الفلسطيني شعبًا ثوريًا بالمعنى الرومانسي للكلمة، ولكنه شعبُ "الواقعية الخشنة" إن صح التعبير، ذلك لأنه دُفع قسرًا إلى الثورة بفعل تعرضه التاريخي الطويل لأشكال متعاقبة من الاستهداف والسيطرة، ليس لأنه فريد من نوعه، ولكن لأن بلاده تقع في قلب الصراعات الحضارية والدينية منذ العصور القديمة، قبل أن تتخذ هذه الوقائع في العصر الحديث صورة استعمارية مباشرة بلغت ذروتها مع النكبة، وما تلاها من هزيمة عام 1967.

من هنا؛ وُلد الفعل السياسي الفلسطيني في العصر الحديث، كما وُلدت جدلية الثورة والدولة، استجابة قاسية لواقع مغلق محاط بإكراهات بنيوية عميقة، ولهذا لم تُتح للشعب الفلسطيني فرصة تاريخية مستقرة لتحويل المشروع الثوري، إلى مشروع الدولة، لا لأنه يفتقر إلى الوعي بما يريد، أو بالمواطنة أو بشرعيته التاريخية أو خبرة مجتمعية في التنظيم السياسي، وإنما لأن تجربته في الحكم نفسه نشأت مبتورة، ومقيدة، ووظيفية في كثير من تفاصيلها؛ سلطة بلا سيادة، وبلا أرض، وبلا أفق، تعيد إنتاج الأزمة بدل تفكيكها، وهو توصيف لواقع مركب أكثر مما هو دفاع عن إخفاقات السياسي.

هذا الواقع حرم الشعب من الزمن الطبيعي لبناء دولته بعد أوسلو، ومن الشروط المستقرة لممارسة السياسة خارج منطق الإكراه؛ ولذلك لم تتطور تجربته في الحكم داخل سياق طبيعي يسمح بتراكم الخبرة ضمن شروط سيادية، ما جسد إشكالية عميقة حول مفهومي الثورة والدولة، ليمتد ظلّها إلى العلاقة الملتبسة بين الثقافة والسياسة، فلم تتجسّد الإشكالية الفلسطينية في سؤال الثورة بحد ذاته، ولا في فائضها أو نقصها، وإنما في ارتباك المسار التاريخي الذي يسمح بتحوّل المقاومة من ضرورة وجودية إلى خيار سياسي مكتمل الشروط.

غير أن ارتباك المسار التاريخي، لا يقتصر على الحالة الفلسطينية وحدها، فالتجربة العربية عمومًا - إلا ما ندر منها ولأزمنة محدودة – تعاملت مع الثقافة بوصفها مساحة رمزية أكثر منها حقلًا منتجًا للمعنى أو ساحة اشتباك فاعلة، حيث جرى تحييد الفعل الثقافي تدريجيًا، ليترك الصراع محصورًا في أدواته الصلبة، فيما ترك الوعي الجمعي مكشوفًا أمام سرديات القوة، بلا حماية فكرية أو تخييلية قادرة على مراكمة المعنى، وحفظ الذاكرة، وصوغ صورة الذات في مواجهة الآخر.

إلا أنه وفي أعقاب حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني بالأساس، وعلى بعض شعوب المنطقة بمستويات مختلفة، لم تعد الأسئلة نظرية وباردة، ولم يعد ممكناً التعامل مع الثقافة بوصفها هامشاً مكملاً أو نشاطاً موازياً للصراع، فما حدث في زمن تتداخل فيه الصورة مع السياسة، والرواية مع القوة، قلب كل المعادلات ليعاد ترتيب مواقع الفعل، ما دفع بالمعنى إلى واجهة الصراع.

فبينما توحش الاستعمار في معاركه العسكرية، خسر أخطر المعارك على صعيد الوعي الجمعي لشعوب المعمورة، ألا وهي معركة السردية؛ هنا تقدم المشتغلون في الشأن الثقافي، من كتاب، وشعراء، وباحثين، وفنانين، لملأوا الفراغ الذي تركه السياسي، ويعيدوا تقديم فلسطين للعالم لا كخبر عاجل، ولكن كسؤال مركزي، لقضية إنسانية وأخلاقية وتاريخية، تتقاطع فيها التجربة الشخصية مع التاريخ العام. ومع خروج الصوت الفلسطيني من موقع الدفاع والتبرير، تحوّل إلى شهادة مكتملة على الإبادة والاقتلاع والتطهير بوصفها مكونات بنيوية لمشروع استعماري، الأمر الذي زعزع وهم التكافؤ السردي، ووضع السردية الإسرائيلية في مواجهة سؤال الأصل وعلاقات القوة، لا في مقارنة التفاصيل.

هذا التحول كشف هشاشة المؤسسة الثقافية الرسمية العربية، المثقلة بالبيروقراطية والحسابات السياسية والتمويلية، في مقابل صعود فعل ثقافي فردي تحرر من منطق الوصاية، ومارس دوره بوصفه مقاومة طويلة النفس، فرض المزيد من طرح الأسئلة، لفهم إكراهات الواقع في سياق تاريخ أطول من عمر الاستعمار؛ أسئلة تحفظ الذاكرة، وتعيد إنتاج الهوية، وتمنع تحويل المجزرة إلى مجرد أرقام في تقارير المؤسسات الأممية أو صور في نشرات الأخبار.

فسؤال ما بعد الإبادة لم يعد متعلقًا بقدرتنا على الصمود، ولا حتى بقدرتنا على الاستمرار، وإنما بقدرتنا على منع إعادة تعريفنا من الخارج، إذ باتت المعركة على الوعي الذي يُعاد تشكيله بهدوء، أكثر شراسة من معارك الميدان، ففيها تُدار الحياة بلا أفق، وتُقدَّم الإغاثة بديلاً عن الحق، ويُختزل الشعب في كونه مشكلة إنسانية، ليصبح الخطر الحقيقي هو تكريس الحضور اللا مرئي، بغية استمرار القتل. من هنا تأتي أهمية الفعل الثقافي، لا ليشخص الواقع، ولا ليواسي الضحايا، ولا ليزيّن المأساة، ولكن ليحرس المعنى من التآكل، والذاكرة من المصادرة، والإنسان من الاختزال.

في هذه اللحظة الفاصلة، لم تعد السياسة كافية وحدها، ولم تعد البنادق قادرة على حسم المعركة وحدها، إذ يتقدّم الوعي بوصفه ساحة الاشتباك الأخطر، حيث تُعاد صياغة الضحية، وتُعاد هندسة الجريمة، وتُختزل الإبادة في لغة محايدة بلا فاعل. هنا تصبح الثقافة فعل ضرورة واشتباكًا مباشراً وموقعًا متقدمًا لحراسة الإنسان والذاكرة من التحوّل إلى هامش، فالمهمة الأساس تكمن في قوة السرد لا في الانتصار الميداني، ببساطة لأننا أضعف عسكريًا، ولأن الاستعمار، في جوهره، مشروع معنى قبل أن يكون مشروع قوة، فلو لم تُكسر لغته سيعيد إنتاج نفسه بأدوات جديدة. عند هذا الحد، يتجلى التحول العميق في طبيعة الصراع، لا بوصفه انتقالًا بين مراحل، وإنما انزياحًا في جوهر المواجهة نفسها… من جدلية الثورة والدولة إلى معركة السرد والمعنى.

 

 

 

كلمات مفتاحية::
Loading...