
ربما يتبادر إلى ذهن قارئ هذا المقال أننا نقصد بكلمة يخطئ، زيارة رئيس الوزراء ناريندرا مودي لإسرائيل، وإلقاءه خطاباً أمام الكنيست، ورعايته لتوقيع اتفاقاتٍ تجاريةٍ وأمنيةٍ وتكنولوجيةٍ وفي أي مجالٍ آخر.
إننا لا نقصد ذلك أبداً فكثيرون سبقوه في زياراتٍ رسميةٍ علنيةٍ وسريةٍ لإسرائيل، وليس وحده من وقف على منبر الكنيست ليلقي خطاباً، كما أننا لا نلومه على إدانته لعملية السابع من أكتوبر 2023 فهو ليس الأول ولن يكون الأخير في هذا الأمر.
إذاً... أين أخطأ زعيم الهند؟
أولاً، في انعدام التوازن ولو بحدود المجاملة في خطابه أمام الكنيست، كان حرياً به أن يذكّر إسرائيل من على منبر برلمانها بأن الشرق الأوسط الذي لا تستغني الهند عن العلاقات السوية والبناءة مع دوله وشعوبه، يحتاج إلى سلامٍ دائمٍ وعادلٍ فيه، حتى دون إشارةٍ صريحةٍ لأهمية نيل الشعب الفلسطيني لحقوقه المعترف بها من قبل الغالبية العظمى من دول العالم، بما في ذلك الهند، الخطأ أنه لم يقل ذلك لا تصريحاً ولا تلميحاً.
ثانياً، عندما يقوم رئيس دولةٍ أو رئيس حكومة بزيارةٍ رسميةٍ لدولةٍ أخرى فإن مساعديه عادةً يضعون بين يديه معلوماتٍ دقيقةٍ عن الدولة التي سيزورها، ومواقفها وسلوكها، وبالتأكيد حدث ذلك مع الزعيم الهندي، إذاً لدى السيد مودي معلوماتٍ حول كل ما فعلت إسرائيل في فلسطين ولبنان وسوريا، وما يمكن أن تفعل بشأن إيران، إلا أنه تجاهل ذلك كله، وأسقطه من خطابه في السطور وما بينها، كما أنه عرف بما وراء توظيف نتنياهو له ولبلده ولزيارته، وكأنه جاء للاصطفاف في حلفٍ جديد يتحدث نتنياهو عنه كنواة حربٍ باردةٍ أو ساخنةٍ مع أهل المنطقة، والذي أسماه بالحلف الجديد السداسي لمواجهة ما وصفه بالحلف السني المستجد والشيعي المتراجع.
كان يتعين على زعيم أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، أن يجد جملةً ديبلوماسيةً يحيّد بها نفسه ودولته الكبرى عن أغراض نتنياهو الخاصة، فإن لم يكن من أجل صداقات الهند والحفاظ عليها مع دول المنطقة، فمن أجل مصالحها التي من المفترض أن تكون موضوعياً ومنطقياً فوق مصالح نتنياهو.
ثالثاً، كان باستطاعة السيد مودي أن يُعلن أمام الكنيست بأنه سيبذل جهداً كوسيطٍ أو داعمٍ للوسطاء ليثبت وقف إطلاق النار على غزة، وإنهاء الحرب عليها كجزءٍ من إنهاء حروب المنطقة، وكان بوسعه لتفادي الحرج مع نتنياهو أن يستخدم مفردات الرئيس ترمب، وباقي زعماء العالم في هذا الاتجاه.
أخيراً... مع كل ما تقدّم، فالهند تاريخيً ومكانةً تحتاج إلى جهدٍ مضاعف، من جانب دول الشرق الأوسط، لإحداث التوازن المنطقي المطلوب في خطابها وسياساتها.