
تتجه أنظار العالم إلى ما ستسفر عنه الجولة الأخيرة في جنيف من المفاوضات المعروفة بـ "معالجة الملف النووي الإيراني"، وما هي السقوف والتنازلات التي قد تقبل بها الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية للوصول إلى اتفاق، دون الذهاب إلى حرب شاملة قد لا ترضي نتائجها الطرفين أو الأطراف المتشابكة والمنخرطة في هذا الملف بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ويشهد الإقليم في الآونة الأخيرة عسكرة غير مسبوقة، مع تحشيد عسكري أمريكي كبير. ووفق آخر التقارير العسكرية، يجري الحديث عن أكثر من 350 طائرة مقاتلة بأنواعها المختلفة، بالإضافة إلى الأساطيل والسفن وحاملات الطائرات التي وصلت إلى الشرق الأوسط وانتشرت قبالة إيران وفي مياه الخليج العربي. ومن بينها أكبر حاملة طائرات في العالم "يو إس إس جيرالد آر فورد" و"يو إس إس أبراهام لينكولن"، إضافة إلى أسطول بحري ضخم.
في المقابل، يصرّح القادة العسكريون والأمنيون الإيرانيون، على اختلاف رتبهم ومستوياتهم، بالرد الواسع والردع تجاه أي هجوم محتمل. وقد ردّ المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي على هذه الحشود بأنها "خطيرة، ولكن الأخطر منها السلاح الذي يمكنه إغراقها."
ورغم هذه الحشود، يتحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن أن أولويته هي الوصول إلى اتفاق دبلوماسي تقبل به الجمهورية الإسلامية الإيرانية بشروطه، والمتمثلة في "تصفير المشروع النووي الإيراني"، وهو ما يبدو أنه إملاءات يصعب القبول بها، فالمسألة لا تتعلق بالاتفاق السابق الذي وقّعته الإدارة الديمقراطية عام 2015، المعروف باتفاق (5+1)، وإنما برغبة ترامب في التميز باتفاق جديد يزايد به على الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما.
كما يسعى إلى إرضاء توجهاته واستراتيجيته التي اتبعها في ولايته الأولى، واستمر عليها لاحقًا، والمتمثلة في إخضاع الخصم دون قتال عبر استخدام أوراق الضغط القصوى. وتأتي هذه الحشود في المنطقة، إلى جانب التصريحات النارية والحرب النفسية، في هذا السياق.
وهنا يبرز السؤال: هل يمكن لهذا الضغط أن يُخضع العقل والروح الإيرانيين، اللذين صمدا أربعين عامًا من العقوبات والضغوط من أجل امتلاك قدرات نووية؟ كما طوّرت إيران صواريخ باليستية أثبتت فاعليتها في المواجهات السابقة مع إسرائيل، فضلًا عن نفوذها الإقليمي عبر دعم حلفائها في المنطقة.
من الواضح أن إسرائيل، وعلى لسان قياداتها، تعمل ليل نهار لإقناع الولايات المتحدة بأن الحل الوحيد للتعامل مع إيران هو الخيار العسكري وتغيير النظام بالقوة. إلا أن حسابات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لا تتطابق – حتى الآن – مع حسابات ترامب، الذي يفضّل ممارسة أقصى درجات الضغط لانتزاع تنازلات إيرانية ملموسة تُقنع الصقور في إدارته، وتنسجم مع خطابه القائم على إنهاء الحروب الكبرى وتجنب المغامرات العسكرية في الشرق الأوسط.
كما أن دولًا إقليمية وازنة أبدت رغبتها في تجنب الحرب، ونصحت بضرورة التوصل إلى اتفاق دبلوماسي يرضي الطرفين، خشية الانزلاق إلى مواجهة قد تؤثر على الاستقرار الإقليمي وتداعياته الأمنية والاقتصادية والنفطية والسياسية عالميًا. وقد أعلنت بعض الدول أن أراضيها لن تكون ساحة صراع في حال اندلاع الحرب، وهو ما قد يمنح المسار الدبلوماسي فرصة أكبر.
وهنا يقف ترامب أمام معادلة معقدة: هل هو فعلًا لا يريد حربًا؟ وماذا تعني هذه الحشود الضخمة في الإقليم؟ وما هي التنازلات التي قد يقبل بها من الجانب الإيراني لتجنب حرب قد لا تأتي بنتائج مرضية لأي طرف؟
يبقى الإقليم اليوم على حافة الهاوية في ظل هذه الحشود الكبيرة والتهديدات المتبادلة. وتظل جميع الخيارات مطروحة، بين العسكري والدبلوماسي، في مشهد يتسم بالارتباك والعضّ على الأصابع بين الأطراف المباشرة وغير المباشرة، مع هامش مناورة وضغط شديدين، واحتمال انزلاق ضيق نحو الحرب لكلٍّ من واشنطن وطهران.