
في خضم الهجمات الجوية التي تشنها حاليا الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف داخل إيران يتجدد سؤال قديم في الفكر العسكري: هل يمكن للقصف الجوي وحده أن يحسم حرباً؟ فالمشاهد التي تملأ الشاشات من انفجارات ضخمة في منشآت عسكرية ومراكز صناعية واغتيال شخصيات قيادية في مؤسسات الدولة الإيرانية قد توحي بأن الحرب تسير في اتجاه حسم سريع. لكن التاريخ العسكري الحديث يذكرنا بأن ما يبدو في الأيام الأولى للحرب إنجازا حاسما قد يتحول مع مرور الوقت إلى مجرد مرحلة تمهيدية لصراع أطول وأكثر تعقيدا.
القوة الجوية تمتلك بلا شك قدرة هائلة على التدمير السريع. فهي تستطيع خلال ساعات قليلة أن تدمر بنية تحتية عسكرية بنيت خلال سنوات، وأن تضرب مراكز القيادة أو مستودعات الصواريخ أو المنشآت النووية. وهذا ما تحاول الطائرات الأمريكية والإسرائيلية فعله الآن عبر موجات متتابعة من الغارات. لكن المشكلة أن القصف الجوي، مهما بلغت دقته أو كثافته، لا يملك القدرة على السيطرة على الأرض أو فرض إرادة سياسية كاملة على دولة بحجم إيران. الطائرات تستطيع أن تضرب، لكنها لا تستطيع أن تحتل مدينة أو تسيطر على جبال أو تمسك بحدود دولة مترامية الأطراف.
هذه الحقيقة ليست مجرد نظرية عسكرية، بل درس متكرر في التاريخ الحديث. فالقصف الجوي كان دائماً جزءاً من الحرب، لكنه نادراً ما كان خاتمتها. في معظم النزاعات الكبرى، كان القصف الجوي يمهد الطريق لقوات برية تتقدم لتثبيت النتائج على الأرض. أما عندما يغيب الغزو البري، فإن الضربات الجوية تتحول غالبا إلى حرب استنزاف طويلة، يتبادل فيها الطرفان الضربات دون أن يتمكن أي منهما من تحقيق نصر حاسم.
في الحالة الراهنة، يبدو واضحا أن واشنطن لا ترغب في إرسال قوات برية إلى إيران. فالذاكرة الأمريكية ما تزال مثقلة بتجارب الشرق الأوسط خلال العقود الماضية، خصوصاً بعد الحروب الطويلة التي خاضتها الولايات المتحدة في المنطقة. ولهذا فإن الخيار المطروح حاليا يتركز في توجيه ضربات جوية وصاروخية واسعة بهدف إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وربما دفع القيادة الإيرانية إلى التراجع أو التفاوض. لكن من دون وجود قوات على الأرض، يبقى السؤال مطروحا حول قدرة هذه الضربات على تحقيق هدف استراتيجي نهائي.
أما بالنسبة إلى إسرائيل، فإن المسألة تأخذ بعدا مختلفا وأكثر حساسية. فالعقيدة العسكرية الإسرائيلية منذ تأسيس الدولة قامت على مبدأ الحروب السريعة والحاسمة. السبب بسيط: المجتمع الإسرائيلي صغير نسبيا، واقتصاده يعتمد على الاستقرار وعلى استمرار النشاط الاقتصادي دون انقطاع طويل. لذلك كانت الحروب التي خاضتها إسرائيل تقليديا قصيرة نسبيا (بإستثناء الحرب على غزة)، تعتمد على توجيه ضربة قوية وسريعة تحسم المعركة خلال أيام أو أسابيع.
لكن الحرب الجارية الآن مع إيران قد لا تخضع لهذه القاعدة بسهولة. فإسرائيل تواجه هذه المرة دولة كبيرة ذات موارد بشرية وعسكرية واسعة. وإذا تمكنت إيران من امتصاص الضربات الأولى والصمود لفترة أطول، فإن ميزان الحرب قد يبدأ بالتحول تدريجياً. فكل يوم إضافي من الحرب يفرض ضغطا متزايدا على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، سواء من خلال الخسائر العسكرية أو تعطل الاقتصاد أو استمرار التهديد الصاروخي.
إلى جانب ذلك، هناك عامل جغرافي لا يمكن تجاهله. فإيران ليست مجرد هدف كبير على الخريطة يمكن تدميره بضربات محدودة. إنها دولة شاسعة تمتد على مساحة هائلة وتضم تضاريس متنوعة ومعقدة. فهناك سلاسل جبلية ضخمة ومناطق صحراوية واسعة ومدن كبيرة موزعة على مسافات بعيدة. هذه الجغرافيا تمنح إيران قدرة أكبر على توزيع منشآتها العسكرية وإخفاء جزء كبير من قدراتها تحت الأرض أو في مواقع يصعب استهدافها بالكامل.
هذا يعني أن تدمير عدد من المنشآت أو اغتيال بعض القيادات العسكرية لا يعني بالضرورة شل القدرة العسكرية الإيرانية بالكامل. فالدول الكبيرة غالباً ما تمتلك القدرة على إعادة التنظيم بسرعة، ونقل مراكز القيادة، وتعويض الخسائر البشرية عبر هياكلها العسكرية الواسعة. بل إن الضربات الخارجية قد تؤدي أحيانا إلى نتيجة عكسية، حيث تعزز التماسك الداخلي وتزيد من التفاف المجتمع حول قيادته في مواجهة عدو خارجي.
بنيامين نتنياهو حقيقة الهدف السياسي الذي تسعى إليه إسرائيل، إذ أعلن بوضوح أن الغاية النهائية لا تقتصر على ضرب منشآت عسكرية أو تعطيل برنامج نووي، بل تتجاوز ذلك إلى إسقاط نظام الحكم في إيران. غير أن هذا الهدف، بحد ذاته، يكشف عن مفارقة استراتيجية عميقة؛ فإسقاط نظام سياسي راسخ في دولة كبيرة ومعقدة مثل إيران ليس عملية عسكرية سريعة يمكن إنجازها بسلسلة من الضربات الجوية، بل هو مسار طويل يتطلب إما حربا ممتدة تستنزف الدولة المستهدفة أو اضطرابات داخلية عميقة تتراكم بمرور الوقت. وهذا يعني عمليا أن تحقيق مثل هذا الهدف يستلزم زمنا طويلا وصراعا قد يمتد لأشهر وربما لسنوات. الا ان إسرائيل لا تملك رفاهية الانخراط في حرب استنزاف طويلة ضد دولة بحجم إيران، حيث يتحول عامل الزمن تدريجيا إلى عبء استراتيجي على تل أبيب بدلا من أن يكون أداة ضغط على طهران.
لكن الخطر الأكبر في الحرب الجارية لا يكمن فقط في حدود القصف الجوي، بل في احتمال اتساع رقعة الصراع. فإيران كما اتضح اليوم بإستهدافها منشآت عسكرية ودبلوماسية امريكية في عدد من دول الخليج المجاورة، تمتلك القدرة على الرد خارج حدودها المباشرة. مثل هذه الضربات، إذا اتسع نطاقها وتواصلت، قد تضيف بعدا جديدا للحرب وتحولها من مواجهة محدودة إلى صراع إقليمي واسع. فالقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في الخليج تمثل نقاط ارتكاز رئيسية للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. واستهدافها قد يجر دولا أخرى إلى قلب الصراع، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. كما أن أي اضطراب أمني في منطقة الخليج قد ينعكس فورا على أسواق الطاقة العالمية، خاصة إذا تأثرت حركة الملاحة في الممرات البحرية الحيوية.
في ظل هذه المعطيات، يمكن تصور عدة سيناريوهات محتملة لمسار الحرب. السيناريو الأول هو أن تبقى المواجهة في إطار الضربات الجوية المتبادلة لفترة محدودة، قبل أن تتدخل القوى الدولية لفرض وقف إطلاق نار أو ترتيب تفاهمات جديدة. في هذه الحالة قد تعلن كل جهة تحقيق نوع من النصر السياسي دون أن يكون هناك حسم عسكري واضح.
السيناريو الثاني هو أن تتحول الحرب إلى صراع استنزاف طويل نسبيا، حيث تستمر الغارات الجوية والردود الصاروخية لفترة ممتدة دون أن يتمكن أي طرف من تحقيق تفوق حاسم. في مثل هذا الوضع قد يصبح عامل الزمن هو العامل الأكثر تأثيراً في تحديد النتيجة.
أما السيناريو الثالث فهو الأكثر خطورة، ويتمثل في توسع الحرب لتشمل ساحات إقليمية متعددة، سواء عبر استهداف القواعد الأمريكية في الخليج أو عبر انخراط أطراف أخرى بشكل مباشر في الصراع. عندها قد تتحول المواجهة الحالية إلى حرب إقليمية واسعة يصعب التحكم بمسارها.
وفي جميع الأحوال، تبقى الحقيقة الأساسية أن القصف الجوي مهما كان مدمرا لا يحسم الحرب بمفرده. فهو قد يفتح الطريق لكنه لا يسير فيه حتى النهاية. وإذا استمرت المواجهة الحالية دون انتقال إلى حرب برية شاملة، فإن السؤال الحقيقي لن يكون من يملك الطائرات الأكثر تطورا، بل من يملك القدرة الأكبر على الصمود في حرب قد يطول أمدها أكثر مما يتوقع كثيرون. ففي النهاية، كثيرا ما تُحسم الحروب ليس فقط بالقوة النارية، بل بقدرة الدول والمجتمعات على الاحتمال والاستمرار عندما تتحول المعركة من ضربة سريعة إلى اختبار طويل للإرادة.