
أحياناً لا يكون أخطر ما في السياسة هو الفشل، بل البقاء في موقع لا يملك سلطة ولا يجرؤ على الاعتراف بالعجز. وفي الشرق الأوسط، كثيراً ما تُنشأ الهياكل السياسية لتكون جزءاً من الحل، لكنها تتحول مع الوقت إلى جزء من المشكلة. وهذا ما يبدو أنه يحدث اليوم مع اللجنة الإدارية لقطاع غزة.
فبعد أشهر من تشكيلها في إطار ترتيبات دولية قيل إنها ستفتح الطريق لإدارة فلسطينية للقطاع، ما تزال اللجنة حتى الآن عاجزة عن ممارسة أي دور فعلي. بين قيود إسرائيل، وتردد حماس، وغياب ضغط دولي جدي، بقيت اللجنة معلقة في فراغ سياسي لا يسمح لها بالحكم ولا حتى بالانسحاب. وهنا يبرز السؤال الذي لم يُطرح بوضوح بعد: هل الاستمرار في هذا الوضع يخدم غزة فعلاً، أم أن الخطوة الأكثر مسؤولية قد تكون كسر هذه الحالة الرمادية عبر استقالة تعيد وضع المسؤولية في مكانها الحقيقي؟
لكن ما حدث بعد ذلك كشف سريعاً أن الطريق إلى هذا الهدف لم يكن سهلاً. فحتى الآن ما تزال اللجنة تقف في منطقة رمادية: موجودة سياسياً، لكنها غائبة فعلياً عن إدارة القطاع؛ مُعترف بها في الترتيبات الدولية، لكنها عاجزة عن ممارسة دورها على الأرض. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يمكن لمثل هذه الصيغة أن تستمر، أم أن استمرارها بهذا الشكل يكرّس المأزق بدلاً من كسره؟
المعضلة الأساسية التي تواجه اللجنة الإدارية ليست في شرعيتها النظرية، بل في قدرتها الفعلية على العمل. فقد ارتبط وجودها منذ البداية بتفاهمات إقليمية ودولية معقدة، وبموافقة أطراف متعددة، بعضها لا يبدو مستعداً فعلاً لتمكينها من أداء دورها. إسرائيل ما تزال تضع قيوداً واضحة على أي صيغة يمكن أن تعيد للقطاع إدارة فلسطينية مستقلة. وحماس، من جهتها، لا تبدو مستعدة للتخلي عن موقعها في إدارة غزة مهما كانت التداعيات. أما الولايات المتحدة ومجلس السلام، اللذان يفترض أنهما رعاة الترتيب الجديد، فلم يمارسا حتى الآن ضغطاً حقيقياً يضمن انتقال السلطة الإدارية بصورة واضحة. والنتيجة أن اللجنة وجدت نفسها في وضع بالغ الحساسية: موجودة شكلياً، لكنها غير قادرة على الحكم فعلياً.
لكن المشكلة لا تكمن فقط في تعقيد الترتيبات أو في تضارب مواقف الأطراف، بل في أن الصيغة التي أُنشئت بموجبها اللجنة تبدو اليوم وكأنها جزء من إدارة الأزمة لا من حلها. فالمجتمع الدولي تحدث طويلاً عن ضرورة وجود إدارة فلسطينية للقطاع، لكنه لم يوفّر حتى الآن الحد الأدنى من الشروط السياسية التي تسمح بقيام هذه الإدارة فعلاً. وهكذا تجد اللجنة نفسها أمام مفارقة قاسية: مطالبة بالحكم من دون سلطة، ومحمّلة بمسؤولية إدارة واقع لا تملك أدوات تغييره. وفي مثل هذا الوضع، يصبح البقاء في الموقع أقل شجاعة من مواجهة الحقيقة.
من هنا، فإن الاستمرار في هذا الوضع يحمل خطراً سياسياً حقيقياً. فكلما طال بقاء اللجنة في موقعها دون قدرة على العمل، زاد احتمال أن تتحول إلى مجرد واجهة شكلية تستخدم لتخفيف الضغوط الدولية دون أن يتغير شيء على الأرض. وفي هذه الحالة، لا تكون اللجنة قد ساهمت في حل الأزمة، بل أصبحت جزءاً من إدارتها. وهنا تظهر المفارقة: فالصيغة التي كان يفترض أن تفتح طريقاً لإدارة فلسطينية للقطاع قد تتحول، إذا استمرت بهذا الشكل، إلى أداة لتجميد الحل نفسه.
لذا، وفي سياق البحث عن كسر حالة الجمود، ورمي الكرة بملعب كل الأطراف، يأتي أقتراح قيام اللجنة بتقديم استقالتها للمعنيين كخطوة للأمام. ففي السياسة، لا تشكل الاستقالة دائماً علامة هزيمة. في بعض اللحظات، قد تكون فعل سياسي مقاوم يعيد طرح الأسئلة الأساسية التي يحاول الجميع تجاهلها. ولو قررت اللجنة الإدارية تقديم استقالة جماعية واضحة ومعلنة، فإن الرسالة ستكون مختلفة تماماً: أن المشكلة ليست في قدرة الفلسطينيين على إدارة شؤونهم، بل في البيئة السياسية التي تمنع ذلك. وأن استمرار اللجنة دون صلاحيات حقيقية ودون برنامج عمل واضح وإمكانات متاحة، يعني قبولها الضمني بأن تكون جزءاً من مأزق لا تملك أدوات حله. بهذه الخطوة، تنتقل الكرة فعلياً إلى ملعب الأطراف التي صاغت الترتيب نفسه: الولايات المتحدة، ومجلس السلام، والقوى الدولية التي تحدثت طويلاً عن ضرورة وجود إدارة فلسطينية للقطاع.
أيضاً، الاستقالة هنا لا تعني التخلي عن المسؤولية تجاه غزة، بل إعادة تعريف الدور. فبدلاً من أن تبقى اللجنة رهينة مواقف متناقضة وضغوط متعارضة، يمكنها أن تحوّل استقالتها إلى موقف سياسي واضح يضع الجميع أمام مسؤولياتهم. فإما أن يُفتح الطريق فعلاً أمام إدارة فلسطينية حقيقية للقطاع، أو أن يُعترف صراحة بأن الصيغة الحالية ليست سوى محاولة لإدارة الأزمة لا حلها. وفي الحالتين، يكون الموقف الفلسطيني قد استعاد جزءاً من وضوحه.
في النهاية، غزة اليوم لا تحتاج إلى هياكل سياسية جديدة بقدر ما تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية تسمح بإدارة شؤونها بعيداً عن الحسابات الضيقة. وإذا كانت اللجنة الإدارية غير قادرة على العمل في ظل القيود الحالية، فإن بقاءها في موقعها قد لا يخدم القضية الفلسطينية بقدر ما يساهم في إطالة أمد الغموض.
قد تكون الاستقالة خطوة صادمة، لكنها قد تكون أيضاً اللحظة التي تعيد الوضوح إلى المشهد، وتضع الجميع أمام مسؤولياتهم: المجتمع الدولي الذي تحدث طويلاً عن إدارة فلسطينية للقطاع، والولايات المتحدة التي رعت الترتيبات، وإسرائيل التي تضع القيود، والقوى الفلسطينية التي لم تحسم موقفها بعد. أحياناً، في لحظات الانسداد التاريخي، لا يكون الفعل الأكثر شجاعة هو البقاء في الموقع… بل مغادرته بطريقة تعيد طرح السؤال الذي يحاول الجميع تجنبه.